|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

داود السلمان
2025 / 11 / 6
في محاضرته الشهيرة المعنونة «هل الله موجود أم وجود؟» يتناول السيد كمال الحيدري أحد أكثر الأسئلة عمقًا في الفلسفة والكلام والعرفان، وهو سؤال يرتبط بجوهر العلاقة بين الإنسان والإله، بين المحدود واللامحدود، بين الوجود الممكن والوجود الواجب. في هذه المحاضرة يحاول الحيدري أن يبيّن أن الإشكال ليس في مجرد إثبات وجود الله بالمعنى البسيط، بل في طبيعة هذا الوجود وماهيته، وفي الطريقة التي نتعامل بها مع مفهوم «الوجود» ذاته. فمنذ القدم، كان الجدل الفلسفي حول الله يدور حول سؤال: هل الله شيء من الأشياء؟ أم أنه حقيقة مباينة لكل ما نعرفه من موجودات؟ هذه النقطة هي محور التمييز الذي يقيمه الحيدري بين «الله موجود» و«الله وجود».
بداية، يطرح السيد الحيدري السؤال بلغة يبدو ظاهرها بسيطًا، لكنه يخفي خلفه عمقًا فلسفيًا شديد التعقيد. حين نقول «الله موجود»، فإننا نُثبت لله صفة الوجود مثلما نثبتها لأي موجود آخر، فنقول: الإنسان موجود، الأرض موجودة، والسماء موجودة، وكذلك الله موجود. غير أن هذه العبارة تضع الله، ولو ضمنًا، في خانة الموجودات، أي في إطارٍ واحد يجمع بين الخالق والمخلوق من حيث حملهما لصفة الوجود. هذا، بحسب الحيدري، خللٌ معرفي دقيق لكنه خطير، لأنه يؤدي إلى تشبيه الخالق بالمخلوق، وجعل الله طرفًا في علاقة تشابه مع العالم، بينما الحقيقة التوحيدية المطلقة تقتضي أن الله لا يُقاس بغيره، ولا يدخل في جنس الموجودات.
يبدأ الحيدري بما قال به اسبينوزا، حيث يعتقد، هذا الرجل أن الله لا وجود له، وقبل أن يرد الحيدري على اسبينوزا، يقول إنه – أي اسبينوزا – اخذ فلسفته عن ابن ميمون قد احتك بالفلاسفة المسلمين، وتأثر بهم، مثل: الشيخ ابن سينا وابو محمد الفارابي. وبالنتيجة الحيدري رأي اسبينوزا.
من هنا يأتي التمييز الفلسفي والعرفاني الذي يستعرضه الحيدري بين الوجود المطلق والوجود المقيد. الوجود المطلق هو الله، والوجود المقيد هو العالم وكل ما فيه من ظواهر وأشياء. الله ليس «موجودًا» ضمن منظومة الوجودات، بل هو أصل الوجود، هو حقيقة الوجود ذاته التي تفيض منها كل الموجودات. كما يقول العرفاء: «الله هو الوجود، وكل ما عداه ظهورات لهذا الوجود». فالموجودات ليست سوى مظاهر وتجليات للوجود الحقيقي الواحد، تمامًا كما أن النور في الغرفة ليس إلا تجليًا لنور الشمس أو للمصدر الأصلي للضوء. فالنور لا يضاف إلى النور، بل يُستمد منه.
بهذا المعنى، يرى الحيدري أن قولنا «الله موجود» يعبّر عن نظرةٍ ناقصة، تنتمي إلى العقل المتكلم أو الفلسفة المشائية التي تفصل بين الله والعالم فصلاً وجوديًا كاملاً. أما القول «الله وجود»، فهو تعبيرٌ عن الرؤية العرفانية التي ترى في الله حقيقة كل وجود، وأنه ليس وراءه وجود آخر يضاف إليه. فالله عند العارف هو «الوجود المحض»، الذي لا يحدّه شيء ولا يُضاف إليه شيء، ولا يُدرك إلا بالوجدان، لا بالتصور الذهني.
ويُبين الحيدري أن هذا التحول من «الله موجود» إلى «الله وجود» ليس مجرد تغيير لغوي، بل هو انتقال من منهج فكري إلى منهج معرفي مختلف تمامًا. المنهج الأول هو منهج العقل البرهاني الذي يحاول إثبات وجود الله من خلال الأدلة: دليل الحدوث، دليل الإمكان، دليل النظام، وغيرها. وهذا المنهج ضروري للعقل المتسائل الباحث عن اليقين، لكنه في النهاية يتعامل مع الله كموضوعٍ خارج الذهن، كشيءٍ يمكن البرهنة عليه. أما المنهج الثاني، الذي يعبر عنه القول «الله وجود»، فهو منهج شهودي عرفاني، يقوم على تجربة الوجود نفسه. فالعرفاء لا يسألون: هل الله موجود؟ لأنهم يدركون أن السؤال في ذاته يوحي بإمكانية عدم الوجود، بينما الله هو عين الوجود، بل هو الحقيقة التي بها يُعرف كل شيء.
ومن هنا، فإن الحيدري لا يرفض البرهان العقلي على وجود الله، لكنه يراه درجة أولى في طريق معرفة الله، لا نهايتها. فالعقل يمكن أن يدل على أن ثمة واجب الوجود، لكن لا يمكنه أن يدرك حقيقة هذا الوجود. ولذلك، فإن نهاية البحث الفلسفي ينبغي أن تفتح على الأفق العرفاني، حيث يصير الله «وجودًا» لا «موجودًا». وبهذا، يكون التوحيد ليس مجرد الإيمان بإله واحد، بل إدراك أن لا وجود في الحقيقة إلا لله، وأن كل ما عداه قائم به، مفتقر إليه في كل لحظة.
ويشير الحيدري إلى أن هذا الفهم العميق له جذور راسخة في التراث الإسلامي، سواء في كلمات الإمام علي بن أبي طالب حين قال: «ما رأيت شيئًا إلا ورأيت الله قبله وبعده ومعه»، أو في مقولات العرفاء الكبار كابن عربي وصدر الدين الشيرازي، الذين أكدوا أن «الوجود حقيقة واحدة مشككة»، أي أن الوجود يتدرج في مراتبه، أعلاها وأكملها وجود الحق تعالى، وكل ما دونه ظلّ لتلك الحقيقة. بهذا الفهم، يصبح العالم مرآةً تعكس جمال الله، وليس شيئًا يقف في مقابل الله. والإنسان، حين يدرك هذا، يتحرر من الازدواج بين الخالق والمخلوق، ويرى أن كل ما في الوجود إنما هو ظهور لذلك الوجود المطلق.
ويخلص الحيدري في نهاية محاضرته إلى أن القضية ليست مجرد جدل لغوي حول مفردتي «موجود» و«وجود»، بل هي قضية وعيٍ ميتافيزيقي عميق. فأن تقول إن الله «موجود» يعني أنك ما زلت تنظر إليه بعين المفهوم، بعين العقل الجدلي الذي يقيس ويقارن. أما أن تقول إن الله «وجود»، فمعناه أنك تجاوزت المفهوم إلى الشهود، وأنك صرت ترى الله في كل شيء، بل ترى الأشياء بالله لا بالله بالأشياء. وهذه هي قمة التوحيد عند العرفاء: أن لا ترى إلا الله، وأن تدرك أن كل ما هو موجود إنما هو بالله وفي الله، لا بنفسه ولا لنفسه.
وفي الخاتمة، يؤكد الحيدري أن الإنسان، مهما بلغ من العلم، لا يمكنه أن يحيط بحقيقة الله، لأن المحدود لا يحيط باللامحدود. لكنه يستطيع أن يتقرب إلى الحقيقة كلما تطهّر قلبه وانكشفت له الحجب. وكلما ارتقى في معرفة الوجود، أدرك أن الله ليس مجرد «موجود» من بين الموجودات، بل هو «الوجود» الذي به يكون كل شيء. وهكذا ينتهي إلى أن الله، في الحقيقة، موجود لا بمعنى أنه كغيره من الموجودات، بل لأنه الوجود الذي لا وجود سواه. أي إن الله هو الوجود الحق المطلق، وكل ما عداه وجودٌ ظليٌّ قائم به. وبهذا المعنى، يثبت الحيدري بالنهاية أن الله موجود، لكن بمعنى أعمق وأرفع من المفهوم العادي، فهو الموجود الذي لا يُقاس بشيء، والوجود الذي لا يحدّه شيء، والحقيقة التي بها تقوم سائر الحقائق.
وهكذا تتحول الجملة البسيطة «هل الله موجود أم وجود؟» إلى رحلة فكرية وروحية تفضي إلى أن الله هو الوجود كله، وهو الموجود المطلق، وأن كل بحثٍ في الوجود لا يمكن أن ينتهي إلا إليه، لأنه الأصل الذي منه تنبثق الموجودات، وبه تستمر، وإليه تعود.
*المحاضرة موجودة على الصفحة التابعة للحيدري في "الفيس بوك" تحت هذا العنوان نفسه.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |