المشهد الثقافي العراقي بين تقديس الغيبيات والولائية السلطوية وإرهاصات التغيير

ناظم زغير التورنجي
2025 / 11 / 4

ناظم زغير التورنجي
باديء ذي بدء لا ادعي اني أُلم بكل تفاصيل المشهد ، بل اني أقف على أجمالي الناتج الثقافي الجمعي
تتناول وقفتي هذه ، الملامح الرئبسية للمشهد الثقافي العراقي الراهن، من خلال مقاربة نقدية لثلاث ظواهر متداخلة: هيمنة الخطاب الغيبي والخرافي على الوعي الجمعي، واستمرار الولائية السلطوية في البنية الثقافية، ثم بروز إرهاصات التغيير التي تسعى إلى إعادة تعريف الثقافة العراقية في سياق التحولات الاجتماعية والسياسية بعد عام 2003. ...وأني اسعى للكشف عن العلاقة المحكمة ( الجدلية ) بين المقدّس والسلطة والثقافة، وبيان الدور الذي يمكن أن يؤديه المثقف العراقي في مقاومة التبعية وإنتاج وعي نقدي بديل.
أولاً: الإطار العام للمشهد الثقافي
يُعدّ المشهد الثقافي العراقي أحد أكثر المشاهد تعقيداً في المنطقة العربية، نتيجة تراكماتٍ تاريخية متشابكة من الحروب والأنظمة الشمولية والاحتلالات، وما تبعها من انقساماتٍ طائفية ومجتمعية. وقد انعكس هذا الواقع على طبيعة الثقافة المنتجة في البلاد، فتأرجحت بين خطابٍ سلطوي مهيمن يكرّس الخضوع والولاء، وخطابٍ احتجاجي يسعى إلى تجاوز البنى الموروثة نحو أفقٍ مدني وعقلاني.
إنّ فهم هذا المشهد لا يمكن أن يتحقّق دون تحليل العوامل الأجتماعية والسياسية التي أسهمت في تشكيله، وهي ما يمكن توصيفها بثنائية الغيبيات المقدّسة والولائية السلطوية.
ثانياً: تقديس الغيبيات وإنتاج الوعي الخرافي
تغلغلت النزعة الغيبية في البنية الذهنية للمجتمع العراقي عبر قرونٍ من التديّن الطقوسي والاعتقاد بالمعجزات والكرامات. وقد تحوّلت هذه النزعة، في ظل الاضطرابات الاجتماعية والسياسية، إلى آليةٍ دفاعية لتفسير الواقع وتبرير العجز عن تغييره.
تكرّست هذه الظاهرة بفضل مؤسساتٍ دينية وإعلامية وسلطوية روّجت لفكرة أن الخلاص لا يأتي من الفعل الإنساني بل من الإرادة الغيبية، مما أضعف الحسّ النقدي والعقلاني لدى الجمهور.
إنّ تقديس الغيبيات، بهذا المعنى، لم يعد مجرّد ظاهرة دينية، بل تحوّل إلى بنية ثقافية تنتج خطاباً خرافياً يُقصي السؤال ويعيد إنتاج الامتثال، ويحول دون نشوء ثقافة تنويرية قائمة على العقل والتحليل.
ثالثاً: الولائية السلطوية واستمرار ثقافة التبعية
من جهةٍ أخرى، ورثت الثقافة العراقية عبر تاريخها الحديث أشكالاً متعددة من الولاء للسلطة، سواء كانت قومية أو دينية أو حزبية. وقد تجسّد هذا الولاء في مؤسسات الثقافة الرسمية، وفي الخطابات الأدبية والإعلامية التي سعت إلى إضفاء الشرعية على الحاكم أو الحزب أو المرجعية.
بعد عام 2003، ورغم التحوّل السياسي المفترض نحو التعددية، لم ينجُ الوسط الثقافي من إعادة إنتاج آليات الهيمنة ذاتها، إذ تحوّل الانتماء الطائفي والحزبي إلى شرطٍ ضمني للمشاركة الثقافية. وبذلك استمر الولاء بوصفه آليةَ ضبطٍ رمزي تقيّد حرية التعبير وتفرغ الفعل الثقافي من استقلاليته، مما أدى إلى تهميش الأصوات النقدية المستقلة وإضعاف دور المثقف بوصفه فاعلاً اجتماعياً ناقداً.
رابعاً: إرهاصات التغيير وتجدد الخطاب الثقافي
على الرغم من ثقل الإرث الغيبي والولائي، شهد العراق خلال العقدين الأخيرين صعود جيلٍ جديد من الكتّاب والفنانين والناشطين الثقافيين الذين انخرطوا في حركات الاحتجاج والمطالبة بالإصلاح السياسي والاجتماعي.
يتّسم هذا الجيل بوعيٍ نقدي متجاوزٍ للهويات الطائفية والإيديولوجية، وبنزعةٍ إلى إعادة تعريف المثقف باعتباره صوتاً مدنياً مستقلاً يسعى إلى تحرير الوعي من سلطة المقدّس والتابوهات السياسية.
تجلّت إرهاصات هذا التغيير في الفنون التشكيلية والمسرح البديل والشعر النقدي او الساخر والسينما المستقلة، حيث أصبح الفضاء الافتراضي مجالاً للتعبير الحرّ وتداول الأفكار النقدية التي تعيد الاعتبار للعقل، وتضع الإنسان في مركز الفعل الثقافي.
خامساً: التحديات البنيوية للتغيير
رغم الحراك الثقافي الواعد، لا تزال عملية التحول تواجه جملةً من التحديات البنيوية، أبرزها:
1. الرقابة الرسمية والمجتمعية التي تحدّ من حرية التعبير والنقد.
2. هيمنة الخطاب الديني والسياسي على المنابر الثقافية والإعلامية.
3. ضعف مؤسسات الدولة الثقافية واستمرارها في إطار المحاصصة الحزبية.
4. هجرة الكفاءات الثقافية نتيجة الأوضاع الأمنية والاقتصادية، مما يفرغ الداخل من نخبه الإبداعية.
5. غياب سياسات ثقافية وطنية تدعم استقلال الثقافة عن السلطة.
6. تغلل ظاهرة الفساد في الأوساط الثقافية وما أدت اليه من تخريب الضمائر والنفوس
7. المليشيات الولائية المسلحة وأعتمادها اساليب القمع وحتى الأغتيالات للمثقف والمبدع التقدمي
* تشكّل هذه العوامل مجتمعة عقباتٍ أمام بناء مشروع ثقافي نقدي مستقل، لكنها في الوقت ذاته تدفع إلى ابتكار أشكال جديدة من المقاومة الرمزية عبر الفضاء الرقمي ومنظمات المجتمع المدني.
إنّ المشهد الثقافي العراقي الراهن يعكس صراعاً جوهرياً بين ثقافةٍ موروثة تقوم على الغيب والولاء، وثقافةٍ ناشئة تسعى إلى ترسيخ العقل والحرية.
يبدو هذا الصراع في جوهره صراعاً بين الوعي التبريري والوعي النقدي، بين ثقافة السلطة وثقافة الإنسان.
ومهما بدت إرهاصات التغيير محدودة، فإنّها تمثّل بداية تحوّلٍ نوعي نحو إعادة إنتاج الثقافة بوصفها فعلاً تحررياً قادراً على مساءلة المقدّس وكشف آليات التسلّط، وتأسيس فضاءٍ مدني ينهض على قيم المواطنة والعقلانية.
وعليه، فإن مستقبل الثقافة العراقية مرهون بقدرتها على تجاوز الوعي الخرافي والولائي، وإرساء مشروعٍ ثقافي يعيد الاعتبار للعقل النقدي بوصفه حجر الأساس لأي نهضةٍ فكرية حقيقية.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي