|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عادل محمود
2025 / 11 / 2
منذ ثلاثة عقود ، والشرق الأوسط يكتب فصوله السياسية في قاعات مغلقة تطل على البحر ذاته ، وتزين بالابتسامات ذاتها . تعود شرم الشيخ ، في أكتوبر 2025 ، لتستضيف مؤتمرا جديدا للسلام ، بقيادة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب ، بعد حرب مدمرة في غزة استمرت عامين .
لكن التاريخ ، في هذه المنطقة ، ليس دائرة مغلقة فحسب ، بل مسرح يعاد فيه المشهد نفسه ، بممثلين جدد وأدوار قديمة . كأننا أمام نسخة محدثة من مؤتمر "صانعي السلام" الذي عقد عام 1996 ، والذي انتهى كما بدأ : بالتصفيق أمام عدسات الكاميرا ، فيما بقي الدم الفلسطيني هو الحقيقة الوحيدة خارج القاعة .
في 13 مارس 1996 ، دعا الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك إلى مؤتمر "صانعي السلام" في شرم الشيخ . شاركت فيه 31 دولة ، من بينها الولايات المتحدة والأردن وفلسطين وإسرائيل ، تحت عنوان "دعم عملية السلام ومحاربة الإرهاب" .
لكن الوثائق التي صدرت لاحقا ، والمداولات التي جرت على الهامش ، تكشف أن الهدف غير المعلن كان توحيد الموقف الدولي ضد المقاومة الفلسطينية ، خصوصا بعد سلسلة العمليات التي نفذتها حركة "حماس" .
كانت واشنطن تسعى ، وفق مذكرة أعدها مجلس الأمن القومي الأمريكي آنذاك ، إلى "تأمين العملية السلمية عبر احتواء حركات المقاومة" . أي أن المؤتمر لم يكن نواة سلام بقدر ما كان محاولة لتطويع الساحة الفلسطينية سياسيا وأمنيا .
كلمة ياسر عرفات في المؤتمر حملت تناقضات المرحلة : إدانة "الإرهاب" بلغة أمريكية واضحة ، ومناشدة العالم دعم حلم الدولة الفلسطينية . تلك الصيغة المزدوجة كشفت عن الضغط الذي مورس عليه ، كما أوضح لاحقا نبيل شعث في حوار مع صحيفة لوموند (1997) ، حين قال : "كنا نعلم أننا نحارب كي لا نصنف ضمن الإرهابيين" .
النتيجة ؟ لم تترجم قرارات المؤتمر إلى خطوات عملية ، ولم تتوقف الاعتداءات الإسرائيلية ، بل زاد الاستيطان بنسبة 40% خلال عامين ، حسب تقرير البنك الدولي (1998) .
بعد عامين من الحرب على غزة التي خلفت أكثر من 60 ألف شهيد وجريح ، وفق تقديرات الأمم المتحدة ، إتجهت الأنظار إلى القمة الجديدة التي إستضافتها مصر . الأجندة المعلنة تحدثت عن "وقف الحرب ، إعادة الإعمار ، واستعادة الاستقرار الإقليمي" لكن بنية الخطاب السياسي تكاد تتطابق مع بيانات التسعينيات : إدانة "العنف من جميع الأطراف" ، دعوة إلى "حل الدولتين" ، والتأكيد على "أمن إسرائيل" . وحده الفارق أن الخطاب اليوم أكثر احترافا في التجميل الإعلامي ، وأقل التزاما بأي جدول زمني واقعي .
المسودات الأولية لبيان القمة (نشرت أجزاء منها في فاينانشال تايمز في سبتمبر 2025) تعيد إنتاج منطق "السلام مقابل الأمن". يشدد النص على "ضمان أمن إسرائيل الكامل" و"تجريد غزة من السلاح" مقابل "تعهدات بإعادة الإعمار" .
هكذا يتكرر الخطأ ذاته : تحويل المسألة الفلسطينية من قضية تحرر وحقوق إلى قضية إنسانية وأمنية . تماما كما حذر غالي شكري في إحدى مقالاته عام 1987 حين قال : "كل تسوية تبدأ من مبدأ الأمن الإسرائيلي ، تنتهي حتما إلى نفي الحق الفلسطيني" .
من كامب ديفيد إلى شرم الشيخ ، ظلت واشنطن المخرج والمنتج والموزع . 99% من أوراق اللعب بيدها ، كما قال السادات ذات مرة ، وما تبقى يوزع لأغراض التجميل السياسي . في غياب توازن حقيقي ، يصبح "السلام" مصطلحا هندسيا لإدارة الصراع لا لإنهائه .
المؤتمرات تتعامل مع نتائج الصراع لا مع جذوره : الاحتلال ، الاستيطان ، التهجير ، والتمييز البنيوي . حين يختزل الصراع في "وقف النار" و"منع الإرهاب" ، يتحول إلى أزمة أمنية لا سياسية . بذلك تعاد إنتاج أسباب العنف ذاتها ، تحت غطاء "الواقعية السياسية" .
السلام الحقيقي يتطلب إرادة متبادلة ، بينما المؤتمرات تدار بإرادة أمريكية - إسرائيلية ، ومشاركة عربية مضغوطة بالديون والتحالفات . في تقرير معهد "تشاتام هاوس" (2024) وصفت هذه القمم بأنها "تظاهرات دبلوماسية لإدارة المأزق لا تجاوزه".
منذ السبعينيات ، احتفظت القاهرة بدور الوسيط بين واشنطن وتل أبيب ورام الله . هذا الدور منحها حضورا دوليا ، لكنه في الوقت نفسه قيد حركتها الاستراتيجية .
في قمة 2025 ، تحاول مصر أن تستعيد مكانتها كضامن للاستقرار الإقليمي ، لكنها تصطدم بواقع جديد : نفوذ إقليمي متزايد لتركيا وإيران ، وفتور عربي تجاه "التسوية" بعد موجة التطبيع .
الوثائق المسربة من وزارة الخارجية الإسرائيلية (نوفمبر 2024) تشير إلى أن تل أبيب تعتبر القمة "فرصة لتثبيت صيغة حكم انتقالي في غزة بإشراف مصري" ، أي تحويل الدور المصري من وسيط إلى شريك في الإدارة الأمنية .
إذا كانت التجربة التاريخية معيارا ، فالقمة الجديدة ستخرج ببيان متوازن لغويا ، منحاز فعليا ، وستعلن "خارطة طريق" جديدة ستضاف إلى أرشيف الخرائط الممزقة .
لكن إذا ما استطاعت القاهرة استثمار لحظة الإنهاك الدولي ، وطرح مبادرة مبنية على قرارات الشرعية الدولية (242 ، 338 ، 2334) ، ورفض أي حلول تتجاهل حق تقرير المصير ، فقد تشكل القمة بداية لتحول في الخطاب العربي من الدفاع إلى الفعل .
ما بين مؤتمر 1996 وقمة 2025 ، تغير شكل العالم ، لكن منطق القوة ظل كما هو . فالإرادة الأمريكية لم تتبدل ، والمشهد العربي لم يتحرر بعد من عقدة "السلام كضرورة وجودية" .
الدرس الأعمق الذي يمكن استخلاصه أن السلام لا يمنح ولا يشترى بالضمانات ، بل ينتزع بتوازن القوى والمشروعية الأخلاقية والسياسية .
كما كتب غالي شكري في مقدمة "الثقافة والسياسة في الوطن العربي" : "لا يبدأ السلام من الموائد ، بل من الوعي . وحين يشيخ الوعي ، يصبح الجلوس إلى الموائد تكرارا لمأساة بلا نهاية" .
شرم الشيخ ليست المشكلة ، بل الذهنية التي تعود إليها كل مرة لتغسل يديها من الدم ، وتكتفي بتوقيع جديد تحت العنوان ذاته : "صناعة السلام" .
فهل يكون مؤتمر 2025 لحظة مراجعة أم حلقة أخرى في السلسلة ذاتها ؟
الجواب ، كما يبدو ، لن يكتب في البيانات الختامية ، بل في الأرض التي لم تعرف بعد طعم السلام .
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |