مفهوم العقل الفقهي عند كمال الحيدري

داود السلمان
2025 / 11 / 2

يرى كمال الحيدري أن المشكلة الجوهرية في الفقه الإسلامي ليست في النصوص نفسها، بل في طريقة التعاطي معها، إذ تحوّل الفقه عبر القرون إلى منظومة مغلقة تكرر نفسها، وأصبح العقل الفقهي أسيراً لآليات استنباط شكلية تركز على ظاهر النص وتغفل عن روحه ومقاصده. فهو يعتبر أن العقل الفقهي التقليدي قد نشأ في بيئة معرفية محددة تاريخياً، حيث كان الهدف هو حفظ الدين في ظل غياب "الدولة الإسلامية"، فصار الفقيه يركز على الجزئيات والأحكام الفردية أكثر من اهتمامه بالنظام القيمي العام الذي يسعى الدين إلى ترسيخه. ومع تراكم القرون، تجمد هذا العقل، وصار يستمد مشروعيته من السلطة التراثية لا من قدرته على الإجابة عن أسئلة الواقع. لذلك، يدعو الحيدري إلى تجديد جذري للعقل الفقهي يعيد إليه فاعليته، ويجعله عقلاً حياً متصلاً بالعقل الكوني والإنساني.
في فلسفته، يتعامل الحيدري مع الفقه بوصفه ممارسة عقلية تهدف إلى تحقيق العدالة والمصلحة والكرامة الإنسانية، لا مجرد التزام شكلي بالنصوص. لذلك، فهو يفرق بين «الفقه الموروث» و«الفقه المقاصدي». الفقه الموروث عنده هو الذي يكتفي بتكرار أقوال القدماء دون نقد أو تحليل، في حين أن الفقه المقاصدي ينظر إلى النص من خلال الغاية الإلهية الكامنة فيه، أي تحقيق السعادة الإنسانية. وهذا التحول من النص إلى المقصد يمثل جوهر العقل الفقهي الجديد الذي ينادي به. فالعقل الفقهي، في نظره، يجب أن يكون عقلًا تأويلياً قادراً على فهم النص ضمن سياقه التاريخي واللغوي والواقعي، لأن النص لا يتحدث بنفسه، بل يُفهم من خلال عقل المفسر وموقعه في التاريخ. ومن هنا، يرفض الحيدري فكرة أن النصوص الشرعية تحمل أحكاماً نهائية مطلقة، بل يرى أنها تستبطن مبادئ عامة تتطلب اجتهاداً مستمراً لاكتشاف مصاديقها في كل زمان ومكان.
وبتوضيح أكثر، العقل الفقهي عند كمال الحيدري يقوم على ركيزتين أساسيتين: الأولى هي العقل النقدي، والثانية العقل المقاصدي. العقل النقدي هو الذي يملك الجرأة على مساءلة المناهج السائدة وأسسها المعرفية، فلا يقبل أي مسلمة إلا بعد إخضاعها للفحص. وهو يميز بين «الدين الإلهي» و«الفهم البشري للدين»، معتبراً أن ما بين أيدينا من منظومات فقهية ليست هي الدين نفسه، بل هي فهم تاريخي له. لذلك لا يجوز التعامل معها بوصفها مقدسة أو نهائية. أما العقل المقاصدي فهو الذي يتجاوز الظواهر إلى الغايات، فيبحث عن روح الحكم لا عن صورته، وعن القيم التي يسعى النص لترسيخها لا عن حدوده اللفظية. هذا التحول من النص إلى القيمة يجعل الفقه أكثر إنسانية وواقعية، ويعيد إليه بُعده الأخلاقي الذي ضاع في خضم الجدل اللفظي والشكلي.
ينتقد الحيدري بقوة هيمنة المنهج الأصولي الكلاسيكي على التفكير الفقهي الشيعي، ويرى أن هذا المنهج، رغم ما حققه من دقة علمية، قد أسس لعقل مغلق يقدّس القواعد الأصولية أكثر من النص القرآني نفسه. فالأصولي، في رأيه، ينشغل بتفريعات لغوية ومنطقية معقدة، بينما يغفل عن المقصد الإلهي الكلي للخطاب الديني. لذلك يدعو الحيدري إلى إعادة النظر في البنية المعرفية للأصول نفسها، لأن الفقه لا يمكن أن يتجدد ما لم تتجدد أدواته. وهو يقترح أن يتحول علم الأصول من كونه علماً شكلياً للفظ إلى كونه علماً لفهم المعنى والمقصد، بحيث يصبح الأصولي في موقع الفيلسوف والمفكر لا في موقع اللغوي فقط. ومن هنا يتضح أن الحيدري يربط بين التجديد الفقهي والتجديد الفلسفي، لأن العقل الفقهي، في تصوره، لا يمكن أن ينفصل عن الإطار المعرفي العام الذي يتشكل فيه.
إحدى النقاط الجوهرية في فكر الحيدري هي تأكيده على العلاقة بين الفقه والواقع. فهو يرى أن الفقه الذي لا يقرأ الواقع يفقد وظيفته الاجتماعية ويتحول إلى معرفة ماضوية. ولذلك فإن الاجتهاد عنده ليس مجرد استنباط حكم من نص، بل هو تفاعل بين النص والواقع، بين الوحي والعقل. وهذا يعني أن الفقيه، لكي يكون مجتهداً حقيقياً، يجب أن يكون عالماً بالإنسان والمجتمع والتاريخ والعلوم الحديثة، لأن النص الإلهي جاء ليهدي الإنسان في واقعه لا في فراغ نظري. ومن هنا ينتقد الحيدري الاكتفاء بالمناهج القديمة التي لا تتيح للفقيه أدوات لفهم التحولات الكبرى في الفكر والسياسة والاقتصاد والعلم. العقل الفقهي الجديد، بحسب رؤيته، يجب أن ينفتح على العلوم الإنسانية الحديثة، لأنها تساعده على فهم الإنسان الذي هو موضوع الخطاب الإلهي.
وفي سياق نقده للموروث، يميز الحيدري بين «العقل الفقهي المذهبي» و«العقل الفقهي الإنساني». فالعقل المذهبي ينطلق من الدفاع عن هوية طائفية معينة، ويسعى إلى إثبات صحة مذهبه على حساب الآخر، بينما العقل الإنساني ينطلق من مبدأ أن الحقيقة الإلهية واحدة تتجلى بوجوه متعددة، وأن الفقه الحقيقي هو الذي يخدم الإنسان أياً كان انتماؤه. هذه النظرة الإنسانية الشمولية تمثل نقلة نوعية في الفكر الفقهي الشيعي، لأنها تحرره من النزعة الانغلاقية وتعيده إلى رسالته الأصلية بوصفه علماً لخدمة الإنسان والمجتمع. ومن هنا يؤكد الحيدري أن العدالة هي المعيار الأعلى في الحكم الشرعي، وأن كل حكم يناقض العدالة أو الكرامة الإنسانية لا يمكن أن يكون حكما إلهياً، مهما كانت نصوصه الظاهرية.
لهذا يعتبر الحيدري أن تجديد العقل الفقهي ليس ترفاً فكرياً بل ضرورة وجودية للأمة الإسلامية، لأن استمرار العمل بالعقل الفقهي القديم يعني عجز الدين عن مواكبة العصر. وهو يرى أن الجمود الفقهي أدى إلى انفصال الدين عن الحياة، وإلى ضعف الثقة بين المتدينين والفقهاء. لذلك فإن إحياء الدين يبدأ من إحياء العقل الفقهي، أي من إعادة تعريف الاجتهاد بوصفه عملاً نقدياً مستمراً لا ينتهي عند حدود أقوال القدماء. وهو في هذا السياق يتبنى رؤية تأويلية تتيح قراءة جديدة للنصوص، مستندة إلى المنطق والعقل والتجربة، لا إلى التكرار والتقليد.
خلاصة فكر كمال الحيدري في مفهوم العقل الفقهي تتمثل في أنه يسعى إلى نقل الفقه من كونه علماً شكلياً محصوراً في استنباط الأحكام إلى كونه علماً معرفياً وإنسانياً غايته بناء الإنسان وإقامة العدالة. إنه عقل يتعامل مع النص بروح فلسفية نقدية، يدرك أن النص ليس معزولاً عن التاريخ، وأن الفقيه ليس مجرد ناقل للأحكام بل هو شريك في إنتاج الفهم الديني. بهذا المعنى، فإن مشروع الحيدري يمثل ثورة هادئة في بنية العقل الفقهي الشيعي، لأنه لا يدعو إلى هدم التراث بل إلى إعادة قراءته بعين العقل المعاصر. وهو يؤمن أن الفقه، إذا أراد أن يظل حياً، يجب أن يتحول من فقه التقليد إلى فقه الوعي، ومن عقل النقل إلى عقل النقد، لأن الدين الذي يخاف من العقل هو دين فقد روحه. وبذلك يقدم الحيدري تصوراً عميقاً لعقل فقهي يجمع بين الإيمان والعقل، بين النص والواقع، بين الثابت والمتغير، في محاولة لاستعادة جوهر الرسالة الإسلامية التي جاءت لتحرر الإنسان وتفتح أمامه أبواب المعرفة والكرامة.
انتظرونا في مقال آخر..
ملاحظة// المقال مستمد من فكر الحيدري، وذلك من خلال محاضراته ودروسه على "اليوتيوب" وبعض المنصات والمواقع الاجتماعية.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي