|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

محمد بن زكري
2025 / 10 / 30
لم يكن مفاجئا أن تستولي قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر كبرى مدن دارفور ، وأن تنسحب منها قوات الجيش السوداني ، تحت ضغط الحصار وقوة النيران ، وجراء اختلال ميزان القوة العسكرية بين طرفي الصراع ، لصالح تفوق الدعم السريع ؛ أخذا في الاعتبار فارق حجم الدعم اللوجستي وطول خطوط الإمداد بالنسبة لكل طرف منهما ، وما تحظى به قوات الدعم السريع من إسناد أطراف إقليمية ودولية وازنة ، لها مصالح استراتيجية بالغة الأهمية الاستثمارية في ثروات دول المنطقة ، وامتدادا منها إلى دول الساحل وأفريقيا جنوب الصحراء ، بما في ذلك الاحتياطيات الثابتة والمتوقعة من النفط والغاز والذهب واليورانيوم والمعادن النادرة .
ونذكر بالخصوص جبل العوينات ، الذي تقع 80% من مساحته الإجمالية داخل ليبيا ، ويقع 20% منه داخل السودان ومصر ؛ بما يختزنه من كميات هائلة من خام الذهب (حتى إن المنقبين فيه - خروجا عن القانون - بأدوات بدائية ، كثيرا ما يعثرون على كتل من المعدن الثمين) ، زائدا ما يحتويه من خام الحديد ..
• ففي يونيو 2025 ، وقبل تمكن قوات الدعم السريع من الاستيلاء على مدينة الفاشر ، كانت قد تمكنت من بسط نفوذها على الجانب السوداني من المثلث الحدودي المشترك مع ليبيا ومصر ؛ بما يشكله ذلك المثلث الحدودي من أهمية استراتيجية على أكثر من صعيد ، بما في ذلك التهريب عبر الحدود ، وبما يتيحه من سهولة وصول الإمدادات والمساعدات اللوجستية إلى قوات الدعم السريع ، عبر أراضي الشرق الليبي .
• وفي تحقيق صحفي استقصائي لمركز معلومات بريطاني متخصص في التكنولوجيا الرقمية ، معنون «كيف وجدنا معسكراً عسكريّاً لقوات الدعم السريع في الصحراء الليبية» ، نُشر بتاريخ 31 يوليو 2025 ، كشف فريق المحققين عن وجود معسكر لقوات الدعم السريع داخل الأراضي الليبية ، في موقع محصن تحصينا طبيعيا بين المرتفعات الصخرية ، بالقرب من منطقة الكفرة جنوب شرق ليبيا ، ويشكل المعسكر مركزا لوجستيا لإمداد الدعم السريع [من قِبَل الإمارات و روسيا] عبر الشرق الليبي .
و كشف التحقيق عن وجود قوافل ضخمة من سيارات «تويوتا لاند كروزر» مُجهزة بأسلحة متنوعة ، كالرشاشات الثقيلة من عيار 14,5 ، لا تحمل لوحات ترخيص ، تبين أنها هي ذاتها التي استخدمت في هجوم لقوات الدعم السريع على مخيم زمزم للنازحين بولاية شمال دارفور . كما تعرّف فريق مركز المعلومات الاستقصائي على شارات الكتف الخاصة بقوات الدعم السريع ، وغير ذلك من المعلومات ذات الصلة .
https://alwasat.ly/news/libya/486292
• وفي تقرير لوكالة الأنباء الإيطالية «نوفا» ، ذكرت الوكالة أن صور الأقمار الصناعية الخاصة ببرنامج «كوبرنيكوس الأوروبي» أظهرت توجه طائرتي شحن روسيتين من مطار الكفرة (جنوب شرق ليبيا) الخاضع لسيطرة قوات حفتر ، إلى المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع في السودان ، والطائرتان من نوع «IL-76» الذي يستخدم في نقل القوات والمعدات العسكرية .
https://alwasat.ly/news/libya/483357
• وأعلنت منظمة “مشاد” السودانية ، أنها قد وثقت مشاركة 7 طائرات مُسيّرة تابعة لحفتر ، في مساعدة قوات الدعم السريع على تحديد مواقع المدنيين في مدينة الفاشر ، حيث تم استهداف المئات منهم . وطالبت المنظمة بفتح تحقيق دولي مستقل ، لتحديد المسؤولين عن الجرائم المرتكبة ومحاسبتهم .
https://www.libyaakhbar.com/breaking/2651786.html
• وإنه لمن مفارقات الحرب الأهلية الدائرة في السودان منذ أبريل 2023 ، بين فرقاء الانقلاب العسكري ضد حكم عمر البشير ، ركوبا منهم لموجة الاحتجاجات الشعبية السودانية وانحرافا بها بعيدا عن أهدافها ؛ أن دولة الإمارات ، التي تشترك مع مصر في دعم القوات المسلحة الخاضعة لحفتر في شرق ليبيا ، ( كلٌّ من الدولتين ، بدافع من مصالحها القومية الخاصة) ؛ هي من تقف وراء قوات الدعم السريع في السودان ، بالتنسيق مع الجنرال حفتر ، عبر أراضي وأجواء الشرق الليبي ، وذلك بينما يصطف النظام في مصر إلى جانب الجيش السوداني بقيادة الجنرال البرهان ، ضد قوات الدعم السريع بقيادة حميدتي ! ولا تغيب روسيا ودول الغرب عن المشهد الدراماتيكي العام ، الذي تديره - في الإقليم - من الخلف ، بواسطة الوكلاء .
وهكذا تستمر فصول لعبة الأمم ، في نسختها المحدثة ، وفقا لمستجدات وتطور موازين القوى العسكرية وصراع المصالح الاقتصادية ، وصولا إلى اقتسام مناطق النفوذ بين قوى الاستعمار الناعم .
• ومن مفارقات الحرب العبثية في السودان ، أنّ قوات الدعم السريع (الجنجويد سابقا) ، التي كان البشير قد أنشأها ، على أساس عرقي عروبي (!) ، وأغدق الرتب العسكرية الرفيعة على قائدها (المدني) محمد حمدان دقلو ، لغرض قمع الانتفاضات الشعبية في دار فور ، على اعتبار أنها حركات تمرد ضد النظام ، من قِبَل (الزنوج الأفارقة) ؛ كانت قد درجت على ارتكاب جرائم التطهير العرقي ضد أهالي دار فور ، وجرائم اغتصاب نسائهم ، بما هم أفارقة (زنوج) ، على أساس أن الجنجويد (عرب) ولهم حق السيادة على الأفارقة ! رغم كل ما تشهد به ملامح وجوه الجنجويد (قوات الدعم السريع) و لون بشرتهم الداكنة وشعر رؤوسهم الخشن المجعد ، فضلا عن رطانتهم الأفريقانية المعَوْربة ، من أنهم أيضا أفارقة أكثر كثيرا من أنهم ربما - أقول ربما - قد يكون فيهم شيء من العرب .. دون استبعاد مخلفات الاستعمار الإنجليزي .
• وبقراءة في الواقع السوداني ، يبدو أن السودان ذاهب إلى استنساخ النموذج الليبي الأشد كارثيةً ، بانشقاق دارفور كإقليم له خصوصياته ، ومن ثم انفصاله كدولة مستقلة عن السودان (لكن - في نهاية المطاف - دون حميدتي وعشيرته) . وهو نفس ما يسعى إليه تيار سياسي انفصالي في شرق ليبيا ، بدعوى خصوصية (إقليم برقة) ، كخطوة نحو انفصال شرق ليبيا عن غربها ، باسم : دولة برقة العربية (لكن - في نهاية المطاف - دون الحفاترة) .
ويجري كل ذلك ضمن مخطط عولمي لإعادة رسم خارطة الجغرافيا السياسية للمنطقة . والنتيجة واحدة (الانفصال) ، سواء أكان الأمر يتم بوعي أطراف الصراع المحلية ، أم أنه يتم - بتوظيفهم كوكلاء - دون وعي منهم بقواعد لعبة الأمم .
• وكما أنه لا شيء قد تغير في ليبيا ، إلا إلى الأسوأ .. فالأشد سوءً ، بعد انتفاضة فبراير 2011 الشعبية ، التي تحولت منذ بدايتها إلى ثورة مضادة ، وانتهت إلى نكبة ؛ فكذلك هي الحال في السودان ، غداة ثورة الشعب السوداني (ديسمبر 2018) ضد دكتاتورية وفساد نظام حكم عمر البشير الإخواني ، التي ركب موجتها العسكر - من رفاق البشير - في انقلاب أبريل 2019 ، انتهاءً بها إلى حرب أهلية دامية يقودها الانقلابيون ، بدعم من أطراف خارجية ، لا تبدو لها نهاية محتملة ؛ اللهم إلا تفكك وحدة الإقليم الجيوسياسي للسودان ، واحتمال انفصال إقليم دارفور كدولة مستقلة ، بمثل احتمال انفصل إقليم برقة ككيان مستقل عن الدولة الليبية ، تكريساً لما هو واقع فعلا على الأرض ، من انقسام ليبيا إلى دولتين ، لكل منهما حكومتها و قواتها المسلحة و برلمانها و هيئاتها الرسمية و ميزانياتها و تحالفاتها الخارجية !
وبكل الصدق ، أرجو وأتمنى أن تدحض الأحداث ، في ما يستجد منها على أرض الواقع مستقبلا ، هذه القراءة التي لا أنفي عنها مسحة من النزعة التشاؤمية .