|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عادل محمود
2025 / 10 / 28
في قصر فرساي المهيب ، حيث كانت تتخذ القرارات المصيرية لأوروبا ، وقبل قرون من ثورات الربيع العربي والانتفاضات التي تهز عروش الطغاة ، كان فتى فرنسي في الثامنة عشرة من عمره يخط كلمات ستظل نارا تتقد تحت رماد الخضوع والاستسلام .
"إيتيان دو لا بويسي" ، هذا هو اسم الشاب الذي طعن الاستبداد في صميمه بسؤال بسيط ومزلزل : لماذا نختار قيودنا بأيدينا ؟
من عمق فرنسا القرن السادس عشر ، حيث كانت الحروب الدينية تمزق النسيج الاجتماعي ، والضرائب الباهظة تطحن الفقراء ، والملوك يتصرفون وكأنهم آلهة على الأرض ، يطل علينا هذا الصوت الشاب ليقدم واحدة من أعظم المرافعات الفلسفية ضد الطغيان في تاريخ البشرية "العبودية المختارة" .
ما الذي دفع شابا في مقتبل العمر لكتابة عمل كهذا ؟ الحقيقة التي تكشفها مراسلاته مع صديقه الفيلسوف "ميشيل دي مونتين" أن "لا بويسي" كان يشهد تحول فرنسا إلى سجن كبير تحت حكم "فرنسوا الأول" ثم "هنري الثاني" ، حيث تم تسليط آلة القمع على كل من يعترض على سياسات التاج ، وتم توظيف الدين لخدمة السلطة ، وتحولت الضرائب إلى وسيلة لنهب ثروات الشعب .
وفي هذا الجو الخانق ، كتب لا "بويسي" بين عامي 1548 و 1550 عمله الذي سيصدر سرا عام 1577 ، ليتحول إلى سلاح فكري في يد كل من يحلم بالحرية . واليوم وبعد أكثر من أربعة قرون ، تترجم هذه الأفكار إلى العربية لتكشف عن تطابق مذهل لواقعنا العربي .
يقوم الكتاب على مفارقة وجودية تثير الحيرة والقلق ، كيف يستطيع طاغية واحد أن يحكم ملايين البشر ؟ ، بل والأكثر غرابة ، كيف يظل هؤلاء الملايين خاضعين لهذا الطاغية رغم أن قوته مستمدة منهم أصلا ؟
يتساءل لا بويسي كيف أمكن لهذا العدد من الناس أن يتحمل وطأة طاغية واحد ؟! .. لا يملك من القوة إلا ما أعطوه ، ولا قدرة له على أذيتهم إلا بقدر ما أرادوا أن يتحملوا منه ؟! انه سؤال يضع الإنسان في مواجهة نفسه قبل أن يواجه أي حاكم ، سؤال يحمل في طياته إدانة صامتة لكل من يشتري الأمان بالحرية ، والاستقرار بالكرامة .
يكشف "لا بويسي" ببراعة عن الآليات التي تجعل الشعوب تشارك في استعباد نفسها :
1. سلطة العادة : العادة أكثر من الخوف ، هي التي تفسر استمرار الشعب المستعبد في احتمال وطأة الاستعباد ، هذه العبارة تكشف كيف تتحول القيود إلى جزء من الهوية ، وكيف يولد الإنسان في نظام استبدادي فيعتقد أن العبودية قدره المحتوم .
2. ثالوث التخدير : يطور "لا بويسي" فكرة "المواطن المستقر" الذي تتحول اهتماماته إلى ثلاثية : لقمة العيش ، والترفيه ، والدين الشكلي . إنه نفس الثالوث الذي تعتمده الأنظمة الاستبدادية في عالمنا العربي اليوم لتحييد الشعوب وتفريغها من طاقة الثورة .
3. هندسة الخوف : لا يقلل "لا بويسي" من دور الخوف ، لكنه يوضح كيف يصبح الخوف سجنا نفسيا يبنيه المرء بنفسه و يغلق بابه ، إنه الخوف من المجهول الذي يجعل الاستبداد المعلوم مقبولا .
4. تواطؤ النخب : يكشف "السر الكبير للطغيان" وهو إشراك فئة قليلة من المستعبدين في اضطهاد بقيتهم ، هذه الفئة التي تشارك في الامتيازات وتدافع عن النظام الذي يمنحها هذه الامتيازات .
تتجلى آليات الاستعباد الطوعي في الواقع العربي في صور مألوفة ، لكنها بالغة الخطورة : تطبيع الأجيال مع الاستبداد حتى تبلد الإحساس بالحرية ، هندسة الخوف عبر سجون الرأي والاختفاء القسري في أكثر من قطر عربي ، توظيف الدين لتقديس الحاكم بخطاب "الطاعة" و"البيعة" و"الخروج على الحاكم فتنة" ، شراء الولاءات عبر اقتصاد الريع وشبكات المحسوبية ، وأخيرا ، تدمير منظومات التعليم والإعلام لتغييب العقل النقدي .
رغم عبقرية الكتاب ، إلا أنه لا يخلو من نقاط تحتاج إلى مراجعة :
أولا : يبالغ في تبسيط آلية المقاومة ، فمجرد الامتناع عن التعاون مع الطاغية لم يعد كافيا في عصر آلات القمع الحديثة ، حيث تمتلك الأنظمة أجهزة أمنية متطورة قادرة على سحق أي احتجاج .
ثانيا : يغفل أثر البنى الاجتماعية التقليدية - القبيلة والطائفة والعشيرة - في إعادة إنتاج الأنظمة الاستبدادية في مجتمعاتنا العربية .
ثالثا : يتجاهل تعقيدات الاقتصاد السياسي ، فكثير من الناس يختارون العبودية طوعا عندما توفر لهم أنظمة الاستبداد الحد الأدنى من الأمان الاقتصادي في ظل غياب البديل .
لو عاد "لا بويسي" إلى الحياة اليوم ، لرأى كيف أن تحليله ما يزال ينطبق على واقعنا العربي بأدق تفاصيله ، الطغاة ثلاثة أصناف كما حددهم : صنف يحكم بالوراثة (الممالك والإمارات) ، وصنف انتزع الحكم بالسلاح (الأنظمة العسكرية) ، وصنف يزيف إرادة الشعوب بانتخابات هزلية .
الدين أداة طيعة في يد الطغاة ، حيث يشير إلى أنهم "يحرصون على أن يضعوا الدين أمامهم ، ليحتموا به ، ولو استطاعوا لاقتبسوا شيئا من الألوهية" . وهذا ما نراه في خطابات "البيعة" و"الطاعة" و"الخروج على الحاكم" .
المواطن المستقر الذي رضخ للثالوث المخدر : لقمة العيش ، وبرامج الترفيه ، وخطاب ديني شكلي ، إنه المواطن الذي تتفنن الأنظمة في تخديره .
تكمن عظمة كتاب "العبودية المختارة" في كونه يضع الإصبع على الجرح : الحرية مسؤولية قبل أن تكون حقا . وهو يذكرنا أن الاستبداد لا يبدأ بظلم الطغاة ، بل باستسلام المضطهدين .
لقد ألهم هذا الكتاب جيلا من المفكرين الثوار ، من "مونتسكيو" إلى "روسو" ، ومن "الكواكبي" في "طبائع الاستبداد" إلى "فرانز فانون" في "معذبو الأرض" . وهو يظل مرجعا لكل من يريد أن يفهم لماذا تثور الشعوب تارة وتستسلم تارات .
في لحظة تاريخية يحاول فيها كثيرون في عالمنا العربي أن يقنعونا أن الحرية فوضى ، والاستبداد استقرار ، يأتي صوت "لا بويسي" من القرن السادس عشر ليذكرنا : إنكم أحرار إذا أردتم .
إن كسر القيود يبدأ برفض داخلي ، بلا صمت أمام الظلم ، وإعادة اكتشاف الفطرة الإنسانية التي خلقنا الله عليها : فطرة الحرية والكرامة والعدالة .
وكما يختم "لا بويسي" مرافعته الخالدة : لنتعلم لمرة إذا أن نحسن التصرف ، ولنرفع أعيننا نحو السماء صونا لكرامتنا ، أو حبا بالفضيلة ذاتها .
فهل نتعلم ؟
هذا المقال ليس مجرد قراءة في كتاب ، بل هو دعوة لإعادة اكتشاف قدرتنا على رفض القيود ، وتذكير بأن الحرية ليست هبة تمنح ، بل حق ينتزع بإرادة لا تستسلم .
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |