|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

يوسف المحسن
2025 / 10 / 26
في ثمانينيّات القرن الماضي، وفي فترة العطلة الصيفيّة كنّا يافعين مغرمين نجلس عند ضفاف نهر الفرات ونتبادل احاديث الشعر والروايات و(سوالف البطرانين) وموجة الاغاني (الهابطة) التي تحوّلت اليوم إلى كلاسيكيّات الفن العراقي، قلت لهم في واحدة من الأماسي بأنّني لا أميل إلى أغاني أم كلثوم ولا ألعب بنار الإنصات لها ولو أحرقوا اصابيعي، بل صرخت: "لو ياخذوني سخره و جيش شعبي ولا اسمع صوتهه"، والحچي ابيناتنه لم اسمع أم كلثوم نهائيّاً، ذلك لأنَّ لصبري حدود مع مقدمات أغانيها الطويلة والتي اجدها مملّة ومضيعة للوقت، وتبدّل الحديث وتشعبت التصريحات الرنّانة من (الربع)، وكل واحد ماخذ الدنيه عرض طول، حتى وصلنا الى القصائد، فكان يجب ان اتمادى خاصّةً وإنّ الأصدقاء كانوا عله گد الأيد يعني ما اخاف انخبز، فقلت: الشعراء كتبوا عن القمر وجمال القمر وانا لا اجد فيه شيئاً جميلاً، حجارة طائرة ليس إلّا، عندها التفت إليَّ الجميع بدائرة استفهام، مرّت لحظة صمت، ثم قال احدهم ممازحاً بعد ان عدَّلَ من وضع نظّاراته الطبّيّة (چعب الأستكان): عمّي ندري بيك قاريلك اشكم كتاب، عليكفك ويانه، فد مرّة گول فتحاء نجلي موحلوة، وكان يقصد الفنّانة الراحلة نجلاء فتحي، فأومأت لهُ بالموافقة، فَرَدَّ بذات النبرة: انت اصم واعمى، البس نظّارات، ورمى نظّارته أمامي على الطاولة، اخذتها وسط كركرات (الربع) الذين التقوا بمجنون حقيقي يجلس بينهم، تناولت النظّارة(الثخينة) وارتديتها في غمرة هستريا الضحك التي دارت في المكان، نظرت إلى القمر، كان قرصاً من النور البديع الذي يمتلك خدوداً مضيئة، اختفت ابتسامتي وتحوّلت إلى دهشة وانبهار، القمرُ جميلٌ، لأوَّل مرّةٍ اشاهدهُ، لأوَّل مرَّةٍ التقيه، الصدفةُ وحدها جعلتني أُدْرِكُ بأنَّني أعاني من قصر البصر الحاد، نهضت وتقدّمت إلى القمر بخطواتٍ وكأنَّها اعتذار عن سنوات اللبس التي كنتُ أحسبه فيها قبيحاً ولايستحقُّ قول محمود درويش:
عندما تفرغ أكياس الطحينِ
يُصْبِحُ البدرُ رغيفاً في عيوني
حزنت كثيراً ودفعت(الحساب) على غير عادتي ورجعت ماشياً إلى المنزل اضرب اخماساً باسداس، السهر الطويل مع الكتب، منحني مقداراً من البصيرة لكنّه سلبني البصر، خطواتي تسير على ايقاع قول أبي نؤاس:
فقل لمن يدعي في العلم فلسفة
حفظت شيئا وغابت عنك أشياء.
دخلت المنزل وهرعتُ الى الراديو الصغير (افرفر) به حتى عثرت على حفلة للسيّدة أم كلثوم وبدأت بالاستماع لسيرة الحب(عله أعصابي)، كانت مقطوعة موسيقيّة هائلة وصوت أم كلثوم يغطّيها بالعذوبة، اكتشفت متأخراً وقد (فات المعاد)بأنّني لم اعطِ القمر وأم كلثوم فرصتهما الكافية، كنتُ متسرّعاً واقصائيّاً، تأكّدت من ذلك بعد عام عندما شاهدت فيلماً للراحلة نجلاء فتحي في جهاز تلفزيون ملوّن جلبه أبي رحمه الله بالتقسيط من (وكيل الأفريقيّة).
ومن يومها تعلّمت درساً رافقني في الصحافة وتحكيم المهرجانات والمسابقات وحتى في تقديم الخبرة الصحفيّة في المحاكم وبدرجة أدنى مع الأصدقاء وهو أنَّ الأشياءَ لاتبدو كما نراها للوهلة الأولى، الصور والاعلانات والتصريحات والنوايا، لابدّ من التمحيص بها، لابدّ من اعطاء الفرصة، لا بدَّ من إرتداء نظّارات العقل وبعدين (ننتخب) الخيار الصحيح.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |