مَن رجل الدين؟

داود السلمان
2025 / 10 / 22

رجل الدين هو: إنسان مشوش العقل، يبحث في رماد المقابر القديمة عن شيء حيّ غير موجود. بمعنى آخر: رجل الدين، كما صُوّر في هذه العبارة، إنسان مشوش العقل، ليس بالضرورة لأنه يفتقد الذكاء أو التفكير، بل لأن عقله مأسور في دوامة من الأفكار الموروثة، والنصوص المجتزأة، والمفاهيم التي تجاوزها الزمن، لكنه ما يزال يحاول إحياءها بكل ما أوتي من قوة. يبحث في رماد المقابر القديمة، في الكتب المهترئة، في الفتاوى المندثرة، وفي الأحاديث المتنازع عليها، عن شيء غير موجود، شيء يبرر له موقفه، وسلطته، ودوره في عالم يتغير من حوله بسرعة لا يستطيع مجاراتها. إنه لا يبحث عن الحقيقة، وإنما عن الهيمنة؛ لا يسعى للمعرفة، بل لتكريس الجهل المقدس، ذاك الجهل المغلف بقداسة زائفة تحصنه من النقد وتمنحه مناعة ضد الأسئلة.
وبتوضيح أدق، هو سليل قرون من التكرار، صدى لصوت قديم يتردد في كل جيل دون أن يُسمح له بأن يتغير. يتحدث بلغة الماضي، يلبس عباءة الأقدمين، وينظر إلى الحاضر بعين الريبة، كأن كل جديد هو بدعة، وكل تطور هو تهديد، وكل تساؤل هو تمرد يجب وأده. في داخله يقين مطلق، يقين لا يعرف الشك، ولا يتسع له. واليقين الذي لا يراجع نفسه، يتحول إلى أداة عنف، عنف معنوي في أقل تقدير، حين يُستخدم لتكفير المختلف، أو تحقير الخارج عن السرب، أو شيطنة العقل الحر.
والكارثة إن رجل الدين ينظر إلى الإنسان لا بوصفه فردًا حُرًّا قادرًا على التفكير والاختيار، بل ككائن ناقص يحتاج إلى وصاية مستمرة. هو لا يرى أن الإنسان يستطيع أن يكون أخلاقيًا دون تهديد بجحيم أو وعد بجنة. في عينيه، الإنسان مدفوع دائمًا بالشهوة والضلال، ما لم يُكبح بلجام الدين، والدين عنده لا يُفهم إلا عبره هو، لا عبر النص مباشرة. هو الوسيط، والحَكَم، والمفسر، والمخول بمنح صكوك الغفران أو الحرمان. هذه المركزية التي يمنحها لنفسه تجعله غير قادر على رؤية نفسه خارج دائرة السلطة. فإذا زالت سلطته، انهارت هويته.
لكن، هذا الكائن(رجل الدين) ليس مجرد فرد، بل مؤسسة ذهنية متجذرة في المجتمعات التقليدية، تُنتج رجالًا على شاكلته وتُعيد إنتاج خطابهم عبر المدارس، والجامعات، والمنابر، ووسائل الإعلام، المختلفة. هي آلة ضخمة لتثبيت اليقين، ومحاربة الشك، وإدامة السكون، والخوف من الحرية. رجل الدين لا يقف وحده، بل خلفه نظام ثقافي بأكمله يحميه ويغذيه، ويمنع عنه أي تهديد وجودي يأتي من فكر علمي، أو نقد فلسفي، أو حتى قراءة معاصرة للدين ذاته.
حين نمعن النظر، نجد أن هذا النوع من رجال الدين لا يمثل الإيمان، بل يمثل الخوف: الخوف من العقل، من التغير، من الأسئلة التي لا أجوبة جاهزة لها. ولهذا، حين يواجه بفكرة جديدة، يرد عليها بالتكفير أو الاتهام بالزندقة أو العمالة. إنه لا يملك أدوات الحوار، بل أدوات الإقصاء. هو لا يصغي ليفهم، بل يصغي ليرد. في داخله شعور دائم بأنه في معركة، أن العالم كله يتربص به، أن “الحق” الذي يحمله مهدد في كل لحظة، وأن عليه أن يظل متأهبًا لحمايته. لكن هذا “الحق” ليس سوى مجموعة من التفسيرات البشرية التي رُفعت إلى مرتبة القداسة.
المشكلة أن هذا النوع من التدين لم يعد قادرًا على مواكبة العالم. فحين يواجه بعالم يتحدث عن الذكاء الاصطناعي، والهندسة الوراثية، وحقوق الإنسان، وحرية الفرد، ونسبيّة المعرفة، وضرورة الشك البنّاء، فإنه يعود فورًا إلى موروثه، ينبش فيه وكأنه يبحث عن دواء حديث في كتاب طب من العصور الوسطى. يبحث في رماد المقابر القديمة عن علاج لأمراض الحاضر، فينتهي دائمًا إلى الفشل، لكنه لا يعترف به. بل يحمّل الفشل للناس، للمجتمع، للحداثة، للعلم، لكل شيء إلا لمنهجه المتكلس.
ولعل أخطر ما في هذا النموذج من رجال الدين هو استغلاله للمقدس في تبرير الدنيوي. يستخدم النص الديني ليبرر الاستبداد السياسي، ويبارك الظلم الاجتماعي، ويُسكّت ضحايا الفقر والعنف بحجج مثل “الابتلاء”، و”الصبر”، و”الحكمة الإلهية”. يسعى إلى تطبيع البؤس، لا تغييره، وإلى تبرير القمع، لا مقاومته. هو بذلك يعيد إنتاج الواقع كما هو، لا كما يجب أن يكون. فبدل أن يكون صوتًا للمظلوم، يصبح صوتًا يُخرِس المظلومين، وبدل أن يكون ضميرًا للناس، يصبح أداة في يد السلطة، أياً كانت هذه السلطة.
لا يعني هذا أن الدين نفسه هو المشكلة، فحسب ولا حتى الإيمان، بل الإشكال في من يحتكر تفسيره، ويوظفه لخدمة مصالحه أو مصالح من يحميه كذلك. رجل الدين بهذا المعنى يصبح كائنًا خارج الزمن، يحاول جرّ الحاضر إلى الماضي، لا العكس. وهو يفعل ذلك بلهجة يقينية، ونظرة استعلائية، ومنطق لا يحتمل التفنيد. لذلك، فإن تحرير الفكر الديني لا يبدأ بتجديد النصوص، بل بكسر احتكار التفسير، وسحب البساط من تحت أقدام رجال دين يرفضون أن يكونوا جزءًا من التطور، لأنهم يرونه تهديدًا لمكانتهم، لا فرصة لفهم أعمق.
وبالتالي، رجل الدين كما وُصف، ليس فقط إنسانًا مشوش العقل، بل إنسانًا أسيرًا لعالمه الداخلي، عاجزًا عن الانفتاح على الإنسان الآخر، المختلف، والمتجدد. هو أشبه بحارس قبر، يحرس بقايا أفكار ماتت منذ قرون، لكنه يرفض الاعتراف بذلك. في رماد المقابر القديمة، لا شيء يُبعث من جديد، لكن رجل الدين لا يتوقف عن الحفر. فهو لا يبحث عن الحقيقة، بل عن الماضي، والماضي وحده، لأنه لا يعرف العيش خارجه.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي