|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

أحمد كامل ناصر
2025 / 10 / 22
اخترتُ هذه القصيدة للبحث والتحليل لما وجدته فيها من كثافة رمزيّة وعمق دلاليّ يجعلها تتجاوز حدود النصّ الشعريّ القصير إلى فضاء التأمّل الفلسفيّ والاجتماعيّ، فهي من النصوص التي تفتح أمام القارئ أكثر من باب للتأويل، وتستفزّ وعيه بأسئلة تتعلّق بالسلطة، والمعرفة، والحريّة واللّغة. كما أنّها قصيدة العنوان في ديوان "أكل الولد التفاحة: قصائد ونصوص" للشاعر تركي عامر، وهو ديوان يضمّ مجموعة من القصائد التي تتأرجح بين السخرية المرّة والتأمّل العميق في الواقع الإنسانيّ والاجتماعيّ، بلغة مكثّفة تجمع بين البساطة والعُمق، وتغوص في تفاصيل التجربة اليوميّة لتكشف ما فيها من مفارقات وقهر وجمال.
تبدو قصيدة "أكل الولد التفاحة" للوهلة الأولى بسيطة في بنائها، لكنّها محمّلة بالرموز والإيحاءات. يبدأ الشاعر بقوله: " كان جائعًا"، ليضع القارئ مباشرة أمام الدافع الإنسانيّ الأصيل للفعل، وهو الجوع. غير أنّ الجوع في القصيدة لا يقتصر على المعنى البيولوجيّ، بل يمتدّ إلى جوعٍ آخر أعمق: الجوع إلى المعرفة، إلى الحريّة، إلى كسر القيود. ثم يقول: "أكل الولد التفاحة، في حصة القواعد." وهنا تتجلّى المفارقة المركزيّة في النصّ، إذ يقع الفعل الإنسانيّ البريء (الأكل) داخل فضاء النظام والانضباط (القواعد). القواعد هنا ليست مجرّد مادة لغويّة، بل رمز شامل للسلطة التي تفرض النظام وتراقب السلوك، وتحدّد ما يجوز وما لا يجوز.
يتحوّل الأكل، وهو فعل فطريّ، إلى تمرّد على السلطة، وكأنّ الولد بفعله هذا يعلن رفضه الخضوع للنظام الجامد الذي يقيّد الحياة والعفويّة. غير أنّ العقاب يأتي سريعًا: “ضُرب على قفاه، قبل أن يشبع." وهنا تتحوّل القصيدة إلى مرآة لعلاقة القمع بين الفرد والسلطة، إذ لا يُعاقَب الولد لأنّه ارتكب خطأً حقيقيًا، بل لأنّه مارس حقّه الطبيعي في الإشباع. الضربة على القفا، رمز الإذلال، تكشف الوجه العنيف للمؤسّسة التعليميّة التي يفترض أن تكون فضاء للتعلّم والحريّة.
ثمّ يواصل الشاعر المشهد بقوله: "طُرد وشريكته من المدرسة، بتهمة النّتش قبل التقشير" . وهذه الجملة تُلخّص مأساة الشكليّة التي تحكم المجتمع، فالمشكلة ليست في الأكل، بل في الطريقة، في مخالفة التسلسل المرسوم. النظام لا يُعاقب على الجوع، بل على كسر البروتوكول. إنّها صورة ساخرة ومؤلمة في آن واحد، تكشف كيف تتحوّل القواعد إلى غاية في ذاتها، بينما يضيع المعنى الإنسانيّ.
ويأتي المقطع الأعمق والأكثر سخريّة في النصّ حين يقول الشاعر: "وفي رواية أخرى: بتهمة القذف والتشهير، وذلك جراء خطأ بشريّ في الإعراب." هنا يبلغ النقد ذروته. فالخطأ اللغويّ يتحوّل إلى جريمة أخلاقيّة، والزلّة البشريّة البسيطة تُقدَّم بوصفها فعلاً يستوجب العقاب. وهكذا يكشف الشاعر العلاقة الملتبسة بين اللّغة والسلطة، فحين تتحوّل اللّغة إلى منظومة من القواعد الجامدة، فإنّها تصبح وسيلة للاتهام والتجريم لا وسيلة للتعبير والتحرّر. "الخطأ في الإعراب" يتحول إلى رمز لكلّ خطأ إنسانيّ بسيط يُضخَّم داخل نظام لا يعرف الرحمة.
وتبلغ القصيدة ذروتها في الختام حين يصدر المعلم حكمه المطلق: "لا أريد أن أراكما هنا ، قبل يوم القيامة." إنّه طرد أبديّ، ونفيّ خارج حدود الزمن الإنسانيّ، يجعل من المعلم سلطة كونيّة لا تُستأنف أحكامها. وهنا تتخذّ القصيدة بعدًا أسطوريًا يعيد إلى الأذهان رمزيّة "الخروج من الجنة"، فالتفاحة التي كانت في البدء رمزًا للمعرفة تتحوّل إلى سبب للطرد والإقصاء.
بهذا البناء المتقن، ينجح تركي عامر في تحويل مشهدٍ طفوليّ بسيط إلى نصّ نقديّ ساخر يكشف هشاشة النظام القائم على القواعد. إنّها قصيدة عن الإنسان في مواجهة السلطة، وعن البراءة حين تُدان باسم النظام. الشاعر، بلغة مكثّفة وسخريّة ذكيّة، يطرح سؤال الحريّة في زمنٍ تُقاس فيه القيم بمدى الانضباط، ويجعل من التفاحة رمزًا للمحظور الدائم، ومن الجوع دلالة على الوعي والرغبة في الحياة.
قصيدة "أكل الولد التفاحة" ليست مجرّد نصّ شعريّ، بل هي قراءة في علاقتنا باللّغة والسلطة والمعرفة، وصيحة ضدّ كل نظام يجعل من القاعدة سجنًا للفطرة، ومن الخطأ مبررًا للإقصاء. إنّها قصيدة تُعيد للطفل مكانه الرمزيّ ككائن يرفض القمع بالفطرة، ويذكّرنا بأنّ الحياة تبدأ دائمًا من تفاحة، ومن جوعٍ صغير لا يُراد له أن يُشبَع.
22.10.2026
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |