|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
محيي الدين ابراهيم
2025 / 10 / 20
هناك كتب تُقرأ ثم تُنسى، وكتب تُقرأ ثم تُستقر في الذاكرة مثل حجر كريم، ثم هناك كتاب مثل «يوليسيس» لجيمس جويس؛ لا يُقرأ ولا يُنسى لأنه في الحقيقة لا يكتمل قراءته أصلًا، بل يظل يتحداك حتى بعد أن تطوي صفحته الأخيرة. إن جويس لم يقدّم رواية بالمعنى التقليدي، بل قدّم تجربة وجودية داخل اللغة نفسها. ما كان يُنظر إليه يومًا كأداةٍ للحكي أصبح في يديه مختبرًا لتشريح الوعي، وتوسيع الزمن، واختراق ما هو مألوف. قبل «يوليسيس» كان الزمن في الرواية يتحرك نحو الأمام، بعد «يوليسيس» صار الزمن يدور داخل الرأس، يلتفّ، يتشظى، يتكرر، ويتحول إلى مرايا لا إلى ساعات.
أولئك الذين احتكّوا بهذا العمل لم يخرجوا منه سالمين. لم يعد بمقدورهم النظر إلى الرواية بالطريقة ذاتها. فبعضهم شعر أن جويس فتح الأبواب المغلقة على مصاريعها، ومنح الأدب حرية مطلقة لطالما حلم بها الروائيون، بينما رأى آخرون أنه لم يفتح الأبواب بل فجّرها، وأن ما تبقى ليس حرية بل فوضى متعمدة لا غاية لها سوى إدهاش الآخرين. ولعل أجمل ما في هذا الانقسام أنه صحيٌ وضروري؛ فالأدب الذي يحوز على إجماع كامل هو أدب مروّض، مضمُون النتائج، قليل المخاطرة. أما روايةٌ تستطيع أن تجعل عباقرة القرن العشرين ينقسمون إلى نصفين متواجهين، فهي بلا شك عمل يستحق التأمل.
في الجانب الأول من السجال، يقف من رأوا في «يوليسيس» قفزة جريئة نحو المستقبل الروائي. قال بعضهم -بمعنى أو بآخر- إن جويس أنجز ما لم يجرؤ أحد على فعله قبله: كسر الهيكل السردي من الداخل، وسمح للوعي البشري أن يتحدث بلغته الطبيعية، المرتبكة، المتداخلة، المتناقضة. لم يعد الراوي العليم هو السيد، بل أصبحت الفوضى الداخلية للإنسان هي الراوي الحقيقي. أحد الكتّاب المعجبين قال إنه يشعر بالخجل من أعماله حين يقرأ جويس، وكأنه يقف أمام قارة لم تطأها قدمه بعد. آخر قال إن قراءة الرواية كانت بمثابة صدمة كهربائية في دماغه، لحظة اكتشاف أن اللغة قادرة على أكثر مما ظنّ. وهناك من رأى أن قوة جويس تكمن في أنه جمع بين العبقرية والانحلال، بين القداسة والابتذال، بين الفلسفة والمزاح، دون أن يعتذر عن أي منها.
أما في الجانب الآخر، فتقف كتيبة لا تقل قوة في حجتها، تقول بصراحة إن ما فعله جويس أقرب إلى الاستعراض البلاغي المتعمد على حساب التواصل الإنساني الحقيقي. بعضهم رأى أن العمل يحتاج إلى محرر صارم ليعيد له توازنه، وآخرون اشتكوا من أنه كتاب يصلح للباحثين لا للقراء، وأنه يتطلب قاموسًا ومشرفًا أكاديميًا أكثر مما يتطلب قارئًا عاديًا. هناك من قال إن جويس لم يخلق موسيقى جديدة للغة بل أحدث ضجيجًا متواصلًا لا لحظة صمت فيه، وأنه بالغ في تفكيك الجملة حتى فقد المعنى نفسه. أحدهم شبّه القراءة بمحاولة الجلوس على كرسي لا وجود له؛ تشعر بالهواء تحتك، وتظل تبحث عن شيء يستقر عليه وعيك فلا تجده.
المفارقة أن الفريقين -المعجبون والناقمون- يستخدمون لغة الانفعال ذاتها، ولكن لأهداف متعاكسة. المعجبون يقولون: هذا كتاب لا يُحتمل لأنه عظيم. المعترضون يقولون: هذا كتاب لا يُحتمل لأنه فارغ. كلاهما يشعر بالتعب، بالصدمة، بالارتباك، ولكن أحدهم يرى في هذا الإرهاق فتحًا، والآخر يراه إغلاقًا.
أما أنا، فكلما قرأت هذه الآراء شعرت أن القيمة الحقيقية لـ«يوليسيس» ليست في كونها رائعة أو فاشلة، بل في كونها تُلزمك أن تختار موقفك الفكري والجمالي بنفسك. لا يمكنك أن تمر بها مرور الكرام. عليك أن تسأل نفسك: هل أريد الأدب مريحًا أم مزلزلًا؟ هل على الكاتب أن يحكي لي قصةً بوضوح، أم أن يهزّ يقيني بأن الحكاية ممكنة أصلًا؟ هل اللغة نافذة أم متاهة؟
ربما تكمن عبقرية جويس في أنه لم يمنح الإجابة، بل صنع السؤال. لم يكتب رواية لتُقرأ بسهولة، بل كتب مغامرةً لغوية يعيش فيها القارئ لحظة اكتشاف ذاته وهو يحاول فهم ذاته. لهذا أصدق أن «يوليسيس» ليست كتابًا للقراءة، بل كتابًا للاشتباك العقلي والوجودي. ومن يخرج منه غاضبًا، لا يقل قيمة عمّن يخرج منه مندهشًا. كلاهما عاش التجربة. وكلاهما -شئنا أم أبينا- صار جزءًا من التاريخ الذي صنعته رواية واحدة في يوم واحد داخل مدينة واحدة.
وأنا؟ ربما لن أقول إنني مع هذا الفريق أو ذاك. سأكتفي بأن أكرر ما قاله أحدهم يومًا ما بمعنى قريب: إنك لا تخرج من «يوليسيس» كما دخلتها؛ إما أن تتسع داخليًا، أو تنكمش. وفي الحالتين، ستدرك أن الأدب ليس تسلية بقدر ما هو شكل من أشكال الوعي.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |