|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
طلعت خيري
2025 / 10 / 18
قلنا سابقا ، انبثق عن حوار الله مع الملائكة ، وحوار الله مع ادم ، وحوار ادم مع إبليس أربع اعتقادات ، منها عبادة الملائكة بنات الله ، وعبادة الجن ، واعتقاد الصلب والفدى ، واعتقادات سماوية كعبادة الشمس والكواكب ، تتمحور الأفكار والاعتقادات البشرية البدائية حول بداية الخلق ، فكل حقبه تاريخية اتخذت من تلك البداية آلهة لها ، مثلا قوم نوح اتخذوا من ظهور بني ادم آلهة لهم ، وقوم عاد اتخذوا من الجن آلهة لهم ، والمسيحية اتخذت من الفدى إلها لها ، والمشركين العرب اتخذوا من الملائكة بنات الله آلهة لهم ، معظمها تستغل الخطيئة لسلب ونهب مقدرات الفرد المعيشية أو تسييسها للمصالح السياسية والاقتصادية ، أما عبادة الجن فأكثر الاعتقادات تعلقا بالملذات والأهواء الرغبوية لان إبليس من عام الجن توعد ادم وذريته بالإغواء ، ولقد أدى اختفاء التوبة الدنيوية والبعث والنشور الأخروي من معتقدات المؤمنين الى بروز عبادة الجن في قوم عاد كمعتقد أزلي رافض للحساب الأخروي ، كما برزت أيضا عبادة الجن في بني إسرائيل بعد الانشقاق العقائدي للمملكة السبئية في اليمن ، متخذين من الجن وهيكل سليمان ثقافة جيواركيولوجية للدعوة الوجودية الأزلية
الاعتقاد السائد عند بني البشر ان عالم الجن عالم شيطاني ، لان إبليس اختار الدنيا على الآخرة ، نعم إبليس رفض السجود لأدم ، لكنه لم ينكر البعث والنشور الأخروي ، كما لم ينكر وجود الله والدليل قوله ، قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ، فالذي أنكر وجود الله وغيب البعث والنشور عن وعي المجتمعات ، هم أبالسة البشر رجال الدين والكهنة وأصحاب المصالح السياسية والاقتصادية ، ولو تمعنا في حوار الله مع إبليس في قصة خلق ادم لوجدنا ، ان إبليس لما عصى ربه لم يترك لنفسه فرصة التوبة لأنه حسم المعصية بالبعث والنشور الأخروي ، فقال فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ، بينما لما ارتكبها ادم طلب من الله التوبة على الفور ، ولكي تحافظ الوجودية الأزلية على ثقافة الجيواركيولوجيا ، غيب شياطينها علمية الجن بالله واليوم الأخر والكتب المنزلة ، ولإعادة تلك العلمية الى الوعي المجتمعي ، اطلع التنزيل الوجودية الأزلية على إيمانية عالم الجن بالله وبالكتب المنزلة ، قال الله وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القران ، فلما حضروه قالوا أنصتوا ، فلما قضي ولوا الى قومهم مدبرين
وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ{29}
تتخذ الوجودية الأزلية من الجن أولياء لها من دون الله ، عند البحث عن المطالب التي ينشدها الفرد كالسعادة والإنجاب والمال والرزق ، وعلى الظواهر الطبيعية والمناخية المتجددة ، تعول الوجودية أنشطتها المعيشية على شراكة الجن في خلق السماوات والأرض ، وبهذا الاعتقاد غاب الله كخالق لكل شيء عن وعي المجتمعات ، ولقد غيب شياطين عالم الجن علمية كتاب موسى عن وعي عالمهم ، كما غيب شياطين الإنس علمية كتاب موسى عن وعي المجتمع الإسرائيلي ، ان غياب كتاب موسى عن وعي المجتمع الوجودي ، أدى الى رفض كتاب القران المصدق لكتاب موسى ، ولإعادة علمية كتابي موسى والقران الى وعي عالمي الجن والإنس ، قال الله وقالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا انزل من بعد موسى ، مصدقا لما بين يديه ، بين يدي محمد أي القران ، يهدي الى الحق وطريق مستقيم
قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ{30}
ألقى شياطين الوجودية الأزلية شيطنتهم في ساحة عالم الجن ، لبلورة مفهوم شيطانية عالم الجن ،التي معظم الاعتقادات البشرية تعتقد بها على أنها مصدر الشر على الأرض ، طبعا اعتقاد غير صحيح ، لان الجن عالم غير مرئي لا علاقة له ببني البشر أطلقا ، لعالم الجن شياطين ، كما لعالم الإنس شياطين أيضا ، كلاهما يحرضان أتباعهما على إنكار وجود الله وغيبية البعث والنشور ، وعن طريق الوحي الغيبي للعالم الأخر، اطلع التنزيل محمد على الحوار المترجم ، الذي دار بين المؤمنين بالله من عالم الجن وبين الرافضين له ، لاطلاع المجتمع الإسرائيلي على ان عالم الجن عبارة عن خليط من المؤمنين والمشركين ، كما هو الحال في عالم الإنس ، قال المؤمنون من عالم الجن
يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ{31} وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَولِيَاء أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ{32}
ظهر اعتقاد عبادة الجن في الحقبة التاريخية الثانية ، من أفكاره الشيطانية إنتاج الوجودية الأزلية التي ترتكز سياسيا على أيديولوجيا رفض انهيار المنظومة الكونية في أخر الزمان وبداية القيام من الأموات ، مدعين ان الله خلق الجن لإعانته في خلق السماء والأرض، ثم أوكل لهم حفظهما من الزوال ، وبنفس النهج السياسي التاريخي طرح شياطين الوجودية الأزلية الإسرائيلية على مجتمعهم طرحا سياسيا وجوديا ، مفاده كيف يحيي الله كم هائل من أعداد البشر، وهو غير قادر على حفظ السماوات والأرض إلا بمساعدة الجن ، صحح التنزيل ذلك اعتقاد ناسبا عائدية خلق السماوات والأرض لله وحده لا شريك له ، ونافيا إعانة الجن له ، ليؤكد قدرته على إحياء الموتى يوم القيامة ، قال الله الم يروا ان الله الذي خلق السماوات والأرض ، ولم يعي ، ولم يعي تعني لم يشقى ولم يتعب بخلقهن ، بقادر على ان يحيي الموتى ، بل انه على كل شيء قدير
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{33}
عندما تستنفذ الوسائل الدعوية العقائدية والتاريخية والغيبية والاركيولوجية ، يستعين التنزيل بالعذاب الأخروي كحل أخير لرفع العذر أمام رافضي البعث والنشور، أما ما يخص العذاب الدنيوية بالكوارث الطبيعية قد لا يتحقق فعليا لأسباب ديمواغرافية ، ولكن سيبقى الانهيار الاقتصادي والعسكري والتغير الديموغرافي للمصالح السياسية والاقتصادية ساري المفعول الى يوم القيامة ، ان تذكير المجتمعات بالعذاب الأخروي مستمر لان وقوعه لا محال ، لهذا السبب عرض التنزيل على الوجودية الأزلية العذاب الأخروي للاطلاع على ماهية يوم القيامة ، قال الله ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق ، بمعنى أليس هذا ما وعدكم الله به من قبل ، قالوا بلى وربنا ، قال ذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ{34}
حث الله الأنبياء والرسل والمؤمنين على الصبر، لأنه يفتح أفق الحل أمام المعوقات المزعزعة للأمن المعيشي والاستيطاني ، فبعض المشاكل يصعب حلها في الظروف الراهنة ، لأن الحلول تدار بالخفاء فتحتاج بعض الوقت لنضوجها ، أما البحث عن حلول سريعة فكثيرا ما يتعارض ذلك مع معطيات الواقع ، ان التغيرات العقائدية والسياسية والاقتصادية والديموغرافية ، والتجاذب والتنافر بين موازين القوى الدولية والإقليمية يساهم في حل الكثير من المعوقات التي تواجه الشعوب والمجتمعات ، ان الصبر على التسلط الرأسمالي والتسلط الديني والتسلط السياسي أفضل حل للمعضلات المستعصية ، قال الله فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم ، ولا تستعجل لهم يا محمد بالعذاب ، كأنهم يوم يرون ما يوعدون ، لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون
فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ{35}