|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
أحمد فاروق عباس
2025 / 10 / 17
يصر الغرب اصرارا لا يلين علي إعادة بعث ماض انتهي ولن يعود في هذا الشرق، ولا يكاد يري مستقبلا للعرب او المسلمين سوي ذلك الطريق، الذي يعيد الي الحياة تجارب ترقد بين أحضان التاريخ، بعضها انتهي من أكثر منذ مائة عام، واخري انتهت منذ أكثر من الف عام !!!
لا يري الغرب للعرب والمسلمين مستقبلا يقوم علي بناء تجارب لدول حديثة مستقلة متقدمة، بل مستقبل يعيش في الماضي ورجاله وأحداثه وبطولاته الحقيقية او المتوهمة....
في العقود الاربعة التي تلت عام ١٩٨٠ حاول الغرب إعادة بعث الامبراطورية التركية التي اكتسبت اسم الخلافة العثمانية، وبذل جهد مالي ودعائي واقتصادي وسياسي خارق للعادة لتلميع فترة سلاطين آل عثمان واستبدادهم وتخلفهم وجيوشهم من الانكشارية، وهي فترة بأي مقياس سياسي أو اقتصادي أو علمي فترة حالكة السواد من تاريخ المنطقة العربية...
وقد اكتسب ذلك الزخم قوة دافعة مع وصول الاسلاميين الي السلطة عام ٢٠٠٢ بقيادة رجب أردوغان، وتحولت القوة الدفعة الي هدير وفيضان بعد عام ٢٠١١ بدا أن لا شئ قادر علي وقفه...
وتباطئ الفيضان واستنفدت القوة الدافعة قوتها مع ظهور أقصي ما يمكن لهذا المشروع الرجعي أن يقدمه مع ثورة ٣٠ يونيو ٢٠١٣ المصرية التي أنهت تجربة الإخوان المسلمين في أكبر واعرق واهم الدول العربية...
والاخوان المسلمين هم القوة الرئيسية في المنطقة العربية الداعية الي عودة الخلافة العثمانية بقيادة الترك...
ومع تلاشي نفوذهم في مصر بالثورة، ثم توالي سقوط الاخوان المسلمين في ليبيا وفي تونس وفي المغرب وفي الاردن أصيب مشروع إعادة بعث الخلافة العثمانية من مرقدها بضربة قاتلة...
وهنا تنبه اصحاب المشروع ورعاته في الغرب ان العثمانية الجديدة قدمت أقصي ما تستطيع تقديمه وأنه حان الأوان للبحث عن الجديد - القديم...
وكما سبق القول لا يري الغرب ولا يريد أن يري مستقبلا للعرب بعيدا عن خططه وتصوراته الاستراتيجية....
وطالما فشل مشروع إعادة بعث الخلافة العثمانية من مرقدها، ربما لأن قادتها من الجنس التركي، وهو جنس يختلف تماما في عقليته وتركيبته النفسية عن الجنس العربي... فلماذا لا نجرب الخلافة في ثوبها العربي ؟!!!
وهنا عملت مراكز الغرب ومختبراته العلمية والبحثية علي إعادة بعث الخلافة الاموية.... وهي خلافة عربية ظهرت في دمشق وحققت للعرب نفوذا وانتشارا هائلا لدولتهم...
وكان إعادة بعث خلافة بنو أمية متزامنا - أو بسبب - مجئ الوافدين الجدد علي السلطة في دمشق أواخر عام ٢٠٢٤... وهم مجموعات من تيار الاسلام السياسي العابر لحدود الدول والاوطان، فبعضهم من سوريا ذاتها وبعضهم من مصر أو دول شمال أفريقيا، وبعضهم الاخر من الاجناس الاسيوية كالشيشانيين والايجور والاوزبك وغيرهم... يقود كل هؤلاء رجل قادم من المجهول، لا يعرف أحد هويته الحقيقية ولا تاريخه الحقيقي، وهو أبو محمد الجولاني، والذي غيروا له اسمه الي أحمد الشرع !!!
وقصة إعادة بعث الخلافة الأموية من مرقدها علي يد الجولاني او الشرع واتباعه مازلت قصة جديدة، وفصولها الأولي تجري أمام أعيننا...
لكن المؤكد ان إعادة بعث الخلافة في صورتها الاموية سوف تلحق بنظيرتها العثمانية، وأن الغرب سيفشل في تجربته الجديدة كما فشل في تجربته القديمة لعدة اسباب :
أولا.. لأن الغرب يتعامل مع الشعوب العربية كمجرد مادة خام، يشكلها كما يريد بوسائل اعلامه وعلمه وتكنولوجيته، ونسي أن العرب كغيرهم شعوب لها تجربتها الممتدة ولها رأيها في أسلوب حياتها، وهم الاقدر علي اختيار طريق حياتهم ورسم مستقبلهم...
ثانيا.. ان الماضي لا يمكن أن يعاد، وإذا حدث ذلك فرضا ففي المرة الاولي يكون تجربة حية، بينما في المرة الثانية يكون ملهاة مضحكة، والشعوب لا يمكن أن تعيش طويلا في واقع مزيف، تصنعه الصور ووسائل الدعاية وفنونها، ولابد أن تفيق الشعوب علي واقعها وزمانها الحقيقي وليس المتخيل أو المزيف. ..
ثالثا.. ان الخلافة الاموية لم تبدأ أو تنتهي كبداية أو نهاية طبيعية، أو كتطور طبيعي للنظام السياسي العربي والإسلامي، بل جاءت بدايتها بعد حروب ممتدة بين المسلمين أنفسهم، وجاءت نهايتها في صورة انقلاب قاده العباسيون ضد بني أمية، فيما يمثل الحرب الأهلية الثانية في تاريخ الاسلام، بعد الحرب الأهلية الاولي ايام الفتنة الكبري بين علي ومعاوية وابناءهما، والتي تركت اثارها حتي اليوم، وانشأت أول شرخ وانقسام بين المسلمين...
والحروب الاهلية بين قبائل العرب بحثا عن السلطة حتي لو سميت فيما بعد بالخلافة ليست افضل شكل للحكم يمكن اعادته للحياة بعد انتهاءه بقرون طويلة، مستعيدة معه الاحقاد القديمة بين بنو هاشم وبنو عبد المطلب، وبنو أمية وبنو العباس...
ورابعا... أن كل ما يحدث أمامنا لم يأتي نتيجة للتطور الذاتي والطبيعي للعرب، بل جاء اشبه ما يمكن بإعادة هندسة المجتمعات العربية في قوالب معينة، ومحاولة تركيب وصب هذه القوالب في ماضي انقضي من حقب طويلة للغاية، ولو كان الامر إن العرب وصلوا الي ذلك الواقع بالتطور الطبيعي - الروحي والنفسي والمادي - لتجربتهم لما كان هناك مشكلة، بل كان الدرس والفهم هنا أولي وأجدي، ولكن وصلت الامور الي وضع العرب - واقعا معاشا ومستقبلا - كتجارب معملية لما تقرره مختبرات ومراكز أبحاث وصنع قرار قوي دولية فيما وراء البحار والمحيطات...
لكل ذلك ليس أمام هذه الاوهام سوي ان تذروها الرياح كأي بناء قام علي غير أساس...
ولكل ذلك ستذهب كقبض الريح تجربة إعادة بعث بنو أمية... كما ذهبت قبلها تجربة إعادة بعث آل عثمان...
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |