وأُفهِمَ عَلَناً

يوسف المحسن
2025 / 10 / 16

جعجعةٌ لسانٍ على الكيبورد يمكن أنْ تزلزلك و (تودّيك سبع ماي)، مدوّنون وناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي وصحفيّون يدخلون في مطبّات وانفاق لا نهاية لها وَسَطَ عدم الأحاطة بما لهم وما عليهم، واستثماراً لفضاء الحرّيّة الذي أينع ونما في عددٍ من البلدان العربيّة حديثاً ومن بينها العراق، تتسابقُ الكلماتُ والعباراتُ للتحليق في فضاءات البثِّ دون المرور (بفلتر العقل)، ووفقاً للقاعدة الشعبيّة (اللي بگلبه عله كيبورده).
ما دفعني للحديث عن هذهِ الحالة هو كمّ الشكاوى المقدّمة أمام المحاكم القضائيّة ضدَّ صحفيّين ومدوّنين أو افراد عاديّين أو سياسيّين، ليكونوا في مواجهة مواد جزائيّة في قانون العقوبات 111 لسنة 1969 وتعديلاته مثل السب والتشهير والقذف واغلبها وردت بأحكامٍ مقيّدة للحرّيّة مع غراماتٍ ماليّة تقصمُ الظهر أكثر من مراوغة ميسّي لبواتينگ.
سنوات عملي في مهنة (البحث عن المتاعب) وتقديمي الخبرة الصحفيّة بطلبٍ من المحاكم الموقّرة كشفت لي بأنَّ أرتكاب هذه الافعال التي ترقى الى مرتبة الجنح أو الجرائم في أحايين كثيرة ناجم عن عدم معرفة ودراية بحدود الحرّيّة وحريّة الرأي، وعدم التفريق بين الحق في التعبير وحقِّ الآخر في صون كرامته أو سمعته، بين العام والخاص .. المباح والممنوع.. المُتاح للنقد والمسوّر بحقوق المواطَنة.
يا أخي بَدَلَ أنْ تكتبَ أن مدير المؤسّسة س سرقَ الأموال، قُل (إنَّ الدائرة س لم تنجز عملاً يُذكَر بالمقارنة مع الأموال الممنوحة لها)، ويمكنك القول: كيف يمكن لموظف حكومي أن يمتلك سيّارة فارهة تعادل راتبه لمئة وخمسين عاماً عوضاً عن القول: (فلان مرتشي أو علّان لص للمال العام)، شبيه التلميح مو اشدُ من التصريح كما قالت العرب! ! ، جملة توصل لك المُراد بلغةٍ حضاريّة وتُذكّر الجهات الرقابيّة بدورها إن نَفَعَتْ الذكرى، وتنأى بالقائل بعيداً عن تنّور الملاحقة القانونيّة، خاصّة وإنّ أنسان اليوم (موش الأوّلي) صار مثل لاعبي برشلونه وال﷼ بس تحتك بيهم، فاول وجزاء، يعني فرگاس ما ينجاس.
الفرگاس بالمفهوم الطبّي هو تقرّحات تصيبُ الفمَ واللسان مثل الكلمات الخشنة، لكنَّ العبثَ بها قد يكون مؤذياً ولهُ تداعيات، ومجموعها فراگيس، لهذا لابدّ من لغةٍ جديدة يمكن الركون لها واسلوب تواصلي مُبْتَكَر يسيرُ عليه المغرّدون والناشطون والصحفيّون في كثير من بلدان العالَم، يحفظ كرامة الجميع.
البدايةُ من الامتناعِ بشكلٍ نهائي عن السبّ والشتم سواء من خلال المنشورات أو التعليقات أو المقاطع الفيديويّة، فلقد كَرِهَ لنا السلفُ الصالحُ أنْ نكونَ سبّابين، والأمتناعِ عن هتك الحرمة الشخصيّة وأمتهان الكرامة، ومن ثمَّ التركيز على الأداء وليس الأشخاص، فالواجب أنْ لا يكون الفرد فضائحيّاً ويكشف ما يأمرنا الخُلُقُ العظيم بسَتره.
كلّ متّهمٍ بريءٌ حتى تَثْبُتَ الإدانة بقرارٍ قضائي أكْتَسَبَ الصفة القَطْعيّة، عندها فقط يمكن القول أنّ فلاناً سرق وإن علّاناً أختلس، أو تعاطى الرشوة.
الدستورُ العراقي والمادّة 38 منه حفظت حريّة التعبير ، لكنَّ ابوابه ومواده جميعها عملت على حماية كرامة الأنسان( القيمة الفطريّة التي منحها الله للإنسان، لا يُمكن انتزاعها أو الانتقاص منها إلّا بقانون)، فمن الواجب الابتعاد عن تحقير الاشخاص سواء كانوا مسؤولين أم مواطنين عاديّين، والامتناع عن التنمّر والتهجّم والتشويه، وعوضاً عن ذلك اللجوء إلى تقييم الأداء... فهل أُفهِمَ علناً ؟

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي