ملامح في الخطاب السياسي العراقي المعاصر

جواد الديوان
2025 / 10 / 12

الخطاب السياسي العراقي، ومنذ منتصف القرن العشرين وحتى اليوم، يتميّز بالتركيز المفرط على سرديات الفعل والتأثير أكثر من اعتماده على سرديات الفكر والرؤية. فمعظم القادة والساسة العراقيين في العهود الملكية أو الجمهورية أو ما بعد 2003 يسوّقون أنفسهم في المجال العام بوصفهم رجال أفعال مثل مناضلين، مقاوِمين، مؤسِّسين، أو أصحاب قرارات كبرى.
ويغلب على خطاباتهم استعمال أفعال القوة والحركة مثل واجهنا، قاومنا، أسّسنا، غيّرنا، أنقذنا، انتصرنا، وهي مفردات تُبرز الذات بوصفها محركاً للتاريخ لا متأملاً فيه. وعن عبد الكريم قاسم:
عبد الكريم وفي العراق خصاصة ليــــــدٍ وقد كنت الكريم المُحسنا
وعن حكمت سليمان في انقلاب بكر صدقي 1936
والضاربُ الضربةَ لصَدمتِها لحمُ العُلوج على الأقدام ينتثر
الميل إلى تقديم الذات الفاعلة لا المفكّرة يعكس نمطاً ثقافياً وسياسياً عراقياً تشكّل عبر عقود من الأزمات والانقلابات والحروب، ومعيار الزعامة يُقاس بمدى القدرة على الحسم والسيطرة لا بعمق الرؤية أو وضوح النظرية. وأصبح السياسي العراقي يُقاس بما فعله لا بما فكّر به، وبما تركه من أثر مباشر لا بما قدّمه من مشروع فكري أو أخلاقي بعيد المدى. وهكذا عبر الجواهري ببلاغته الرائعة:
ويشمَخُ في كلِّ جيل إمام يُمِدُّ البطولاتِ هاماً فهاما
نادراً ما نجد بين القادة من يقدّم نفسه على أنه صاحب رؤية فكرية أو فلسفية، أو من يتحدّث عن المفاهيم والقيم والتأملات النظرية. فالفكر في الخطاب السياسي العراقي غالباً ما يُختزل إلى أداة لتبرير الفعل، لا غاية لتوجيهه.
ولا يخلو المشهد من استثناءات لزعماء أو مفكرين سعوا إلى الموازنة بين الفعل والفكر، غير أن حضورهم ظلّ هامشياً أمام الهيمنة الثقافية للنموذج البطولي – العملي الذي يتفوّق فيه الحاكم أو القائد عبر فعله لا عبر فكره. ومرة أخرى يشمخ الجواهري بالتركيز على الفكرة لا الفعل:
سلاماً: على الفكرة المُجتلاة على صَفوةِ الزُمَرِ المُبتَلاة
السمة في الخطاب السياسي العراقي تكشف عن تحوّل أعمق في بنية الوعي الجمعي، حيث يُنظر إلى القائد المثالي صانع للأحداث لا قارئ لها، مما جعل السياسة تميل إلى الانفعال أكثر من التحليل، والممارسة أكثر من التنظير. وربما كان أحد التحديات الكبرى في مستقبل الحياة السياسية العراقية هو استعادة التوازن بين العمل والفكر، التنفيذ والرؤية، بحيث لا يبقى الفعل بلا بوصلة، ولا يتحول الفكر إلى ترفٍ نخبوي معزول عن الواقع.
بعد عام 2003، تعمّق هذا النمط الخطابي القائم على تمجيد الفعل على حساب الفكر، لكنّه اتخذ طابعاً طائفياً وحزبياً ضيقا. فالقائد السياسي لم يعد يقدّم نفسه بوصفه فاعلاً في مشروع وطني شامل، بل في مشروع هويّاتي فرعي: طائفي، أو حزبي، أو مناطقي.
تبدّل محتوى “الفعل” من فعلٍ وطني جمعي (كالمقاومة أو التحرير أو البناء) إلى فعلٍ تبريري مصلحي يُستخدم لتثبيت النفوذ السياسي أو الاقتصادي داخل جماعة محددة. ومع هذا التحول، أصبح الخطاب السياسي في العراق يعتمد على “الإنجازات” الانتقائية التي تُخاطب جمهوراً واحداً، بينما يغيب الفكر الجامع والرؤية الوطنية القادرة على تنظيم الفعل ضمن مشروع دولة ومجتمع متماسك. وتعزز هذا الاتجاه بانتخاب بعض المتحدثين في البرامج الحوارية، لأثارة المشاكل وتخريب الحوار.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن