جمال عبد الناصر... واليوتيوب !!

أحمد فاروق عباس
2025 / 10 / 12

أوقفت إدارة يوتيوب قناة موقع جمال عبد الناصر الذي يضم خطبه وتصريحاته، وهو الموقع الذي انشأه عبد الحكيم عبد الناصر إبن الرئيس الراحل، والموقع توثيقي ولا يتناول الشئون الجارية، بل هو متخصص في إعادة نشر كلام وأحاديث رجل ذهب إلى رحاب ربه من ٥٥ سنة، لعل هناك من يقرأ ويسمع ويعي، ولعل هناك من يستفيد من تجربة مهمة في تاريخنا الحديث...

وفي الشهرين الاخيرين نشر الموقع وقناته علي يوتيوب مقتطفات من أحاديث جمال عبد الناصر مع بعض الرؤساء العرب في السنة الأخيرة من حياته، وفيها يبدو جمال عبد الناصر رجلا اكسبته التجارب القاسية حنكة واتزانا، وبرغم ما في أحاديثه من المرارة بقدر ما تشيع فيها نبرة الصدق، لأعظم رجل انجبته مصر والأمة العربية في القرن العشرين...

لكن للأسف حذفت ادارة اليوتيوب أحاديث جمال عبد الناصر الذي عركته المعارك وشاب شعر رأسه من تراكم الخبرات والتجارب، ربما لأنها تريد رسم صورة أخري لجمال عبد الناصر، تناسبها اكثر، وهي صورة رجل مندفع.. متهور، عالي الصوت، وجاءت التسجيلات الاخيرة مناقضة لتلك الصورة...

عبد الناصر رجل الدولة، وعبد الناصر الذي اكسبته المحن وتجارب الايام والسنين اتزانا ورجاحة عقل لا يعجب ادارة يوتيوب... لأنها تناقض الصورة التي طالما حاول خصومه - وللغرابة وكثير من أنصاره أيضا - الصاقها بالزعيم الراحل الكبير...

وقد خالف جمال عبد الناصر في تلك الاحاديث التي سمعها الناس مؤخرا مبالغات انصاره وأكاذيب خصومه معا.. وبدا فيها إبنا للدولة المصرية في رؤيتها للأقليم والعالم، بعد عقود من استقلال مصر عن الاجانب الذين امتلكوا قرارها لأحقاب طويلة...

ومنذ حوالي ثلاث سنوات استمعت علي يوتيوب لأحاديث جمال عبد الناصر في المؤتمر الوطني للقوي الشعبية اواخر عام ١٩٦١ ، وقد قال فيه عبد الناصر كلاما مهما للغاية وبسط فيه رؤيته السياسية والاقتصادية بتفصيل وبعمق اقتضته طبيعة المناسبة...

فلم يكن جمال عبد الناصر يخاطب جماهير متحمسة كما اعتاد في المناسبات الوطنية المختلفة، بل كان يتحدث مع صفوة المجتمع المصري العلمية والسياسية والثقافية في ذلك الوقت، وجاء كلامه ونبرة صوته هادئة متزنة.. وفوجئت من شهور أن ادارة اليوتيوب حذفت التسجيل الطويل من موقعها علي الانترنت... واستغربت يومها ولم أعرف السبب، وخصوصا ان فيديوهات انتقاد جمال عبد الناصر وشتمه من كل من هب ودب تملأ فضاء اليوتيوب، وبعضها حقق مشاهدات بالملايين....

مرة ثانية السبب في رأيي أن ادارة تلك المواقع الجماهيرية لا تريد رجلا عاقلا، وهو رجل رغم رحيله من خمسة عقود ونصف مازال يملك شعبية كبيرة، وفي عصر يحاولون فيه بكل السبل ان يجعلوا صوت العربي وصورته ترسمها صورة وصوت رجل طائش العقل، ارعن التصرفات، لا يحمل اي ملمح من ملامح العصر الحديث وقيمه التي استقرت عليها المجتمعات الحديثة....

عصر الإنسان العربي فيه أصبح عنوانه شخصيات مثل ابو محمد الجولاني وأسامة بن لادن وابو بكر البغدادي وحميدتي وغيرهم من شخصيات، ربما تباينت وجوهها أو نبرة كلامها ولكن العقل واحد... والفعل واحد...

أو شخصيات اخري تنتمي إلي ممالك البترول، حيث الغني الاسطوري، والذي جاء بدون تعب او مشقة...

والغني المبالغ فيه يصنع - في كثير من الأحيان - حجابا بين الانسان وبين قدرته ان يري الأشياء والناس كما هم ، ويضع في عقول مالكيه أوهاما يضيع معها الحكم السليم والاتزان الواجب... وخصوصا لو لم يكن لذلك الغني الاسطوري تقاليد، تحفظ الثروة من أن تلعب بالعقول وتعصم التصرفات من الطيش والنزق الذي تقتضيه أموال بلا حساب تحت الامر والتصرف كل لحظة...
وهذه الأموال وهذه الثروات ليست نتيجة جهد في الصناعة او الزراعة، بل هي ناتج بئر نفط أو غاز تجري مادته في انابيبها وتجري معها الأموال السائلة بدون حساب...

لكل ذلك فصورة العربي كرجل الدولة المتزن - وليس رجل الارهاب أو رجل الغني الاسطوري - والذي لديه رؤية ومشروع، وفي نفس الوقت يحسب حساباته بعقل بارد، ولا يستجيب بسهولة للإستفزاز المتعمد أخر ما يريد مالكي والمتحكمين في تلك الوسائل الجماهيرية تقديمه، وهي وسائل يشاهدها الناس بمئات الملايين في منطقتنا، ويتحكم فيما يبث فيها وما يظهر عليها أجهزة لدول طالما تحكمت في حياتنا ومصائرنا، وهي قوي لا تغفل ولا تلعب، بل تدرس كل حركة وفعل وأثرها بين الناس... وتحاول بكل ما اعطاه التطور العلمي في يدها من وسائل صنع نسخة واحدة من ملايين الناس، تأخذهم بها الي حيث تريد، وتحركهم بها كيفما تشاء...

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي