|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
مالك الجبوري
2025 / 10 / 12
تُعد جائزة نوبل للسلام إحدى أبرز الرموز الأخلاقية في النظام الدولي المعاصر، إذ تُمنح للأشخاص أو المؤسسات التي تسهم في ترسيخ قيم الحوار والتفاهم الإنساني، بعيدًا عن منطق القوة والمصالح الضيقة. وفي هذا الإطار، شكّل سعي الرئيس الأميركي دونالد ترامب لنيل الجائزة، ثم خسارته لها، حدثًا سياسيًا ذا دلالة تتجاوز الجانب الشخصي لتكشف عن أزمة عميقة في مفهوم القيادة لدى القوى الكبرى.
لقد سعى ترامب، منذ توليه السلطة، إلى بناء صورة الزعيم الذي يعيد تعريف العلاقات الدولية عبر ما سماه “صفقات السلام”. فكان من أبرز إنجازاته الدبلوماسية ما عُرف بـ“اتفاقيات أبراهام”، التي شملت تطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية. غير أن هذه المبادرات، على أهميتها الشكلية، افتقرت إلى البعد القيمي والإنساني الذي يُعد جوهر فكرة السلام. فقد تم تجاوز القضية الفلسطينية بوصفها لبّ الصراع العربي–الإسرائيلي، وتحويلها إلى ملفٍ إداري ثانوي، في حين تم توظيف “السلام” كمصطلح سياسي يخدم إعادة التموضع الأميركي في المنطقة.
وفي المقابل، أظهر ترامب تخبطًا استراتيجيًا واضحًا في الملفات الدولية الكبرى، إذ لم يقدّم رؤية متماسكة تجاه الحرب الأوكرانية–الروسية، بل تبنّى مواقف ضبابية تميل إلى تبرير السلوك الروسي، في تجاهلٍ لتداعيات العدوان على الأمن الأوروبي والنظام الدولي. كما تبنى طرحًا صادمًا تجاه القضية الفلسطينية من خلال تصورات اقتصادية بحتة، كفكرته بتحويل غزة إلى “ريفييرا الشرق الأوسط” عبر مشاريع استثمارية مشروطة بإعادة التوطين، وهو ما يعكس اختزالًا للسلام في بعده التجاري لا السياسي أو الإنساني.
أما في تعامله مع الحلفاء الأوروبيين، فقد اتسمت سياسته بالنزعة الانعزالية وفرض القيود الجمركية والضغوط الاقتصادية، في سياق رؤية تعتبر التعاون الدولي شكلًا من أشكال الاستغلال لأميركا، لا شراكةً متبادلة. هذه المقاربة الشعبوية أضعفت الثقة داخل المنظومة الغربية، وأعادت تعريف مفهوم “التحالف” على أساس المصلحة الآنية لا الالتزام المبدئي.
إنّ فشل ترامب في الحصول على جائزة نوبل للسلام لا يرتبط برفضٍ سياسي أو مؤسسي له، بقدر ما يعكس عجزًا بنيويًا في رؤيته للسلام بوصفه قيمة إنسانية. فهو ينظر إلى السلام باعتباره منتجًا سياسيًا قابلًا للتسويق، لا عملية تاريخية معقدة تتطلب التزامًا أخلاقيًا واستمرارية في بناء الثقة. وبذلك، يمكن القول إنّ خسارته للجائزة مثّلت حكمًا رمزيًا على قصور خطابه العالمي وانحرافه عن المفهوم الفلسفي للسلام.
في المقابل، جاء منح الجائزة لعام 2025 إلى ماريا كورينا ماتشادو، المعارضة الفنزويلية التي قادت نضالًا سلميًا طويلًا من أجل الانتقال الديمقراطي ومقاومة القمع، ليعيد التذكير بمعنى الجائزة الأصلي: الاعتراف بالشجاعة المدنية والإيمان بقوة اللاعنف في مواجهة الأنظمة الشمولية.
إنّ فوز ماتشادو يجسّد المفارقة بين السلام كقيمة أخلاقية شمولية والسلام كأداة سياسية نفعية، ويؤكد أن الفعل الإنساني المخلص أكثر قدرة على إقناع التاريخ من أي استعراض إعلامي أو دبلوماسي.
ختامًا، يمكن النظر إلى خسارة ترامب لجائزة نوبل بوصفها حدثًا كاشفًا لتراجع البعد القيمي في السياسة الأميركية المعاصرة، ولتحول مفهوم الزعامة من مشروع بناءٍ جماعي إلى ممارسة فردانية تبحث عن المجد أكثر من المعنى.
وهنا تكمن المعضلة الأساسية في شخصيته السياسية: زعيم يسعى إلى تخليد صورته، لا إلى تخليد فكرة السلام.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |