|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
مالك الجبوري
2025 / 10 / 11
سبايكر والانتخابات: حين يهين المالكي أمًّا عراقية ويطلب من الشعب التصويت له
تتناول هذه الدراسة مجزرة سبايكر بوصفها نقطة تحوّل مفصلية في تاريخ الدولة العراقية الحديثة، إذ كشفت عن عمق الأزمة البنيوية في نظام الحكم ما بعد 2003، وعن تلاشي المعايير الأخلاقية في ممارسة السلطة.
تحاول الورقة تحليل العلاقة بين الجريمة والمسؤولية السياسية من خلال قراءة موقف رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي الذي تجاهل مأساة أمهات الضحايا، بما يمثله ذلك من انقطاع رمزي بين الدولة والمجتمع.
كما تربط بين هذه الحادثة وبين إعادة إنتاج السلطة عبر الانتخابات الدورية التي تفتقر إلى الشفافية والمساءلة، لتخلص إلى أن الشرعية السياسية في العراق الراهن أصبحت قائمة على الطائفية لا على الكفاءة أو العدالة.
وتنتهي الدراسة إلى تأكيد أن العدالة الغائبة في سبايكر هي صورة مكثفة لغياب الدولة نفسها، وأن التغيير الحقيقي لن يتحقق ما لم يُحاسَب الفاعلون ويُعاد بناء النظام السياسي على أسس المواطنة والكرامة والحق في الحياة.تُعدّ مجزرة سبايكر (حزيران/يونيو 2014) إحدى أكثر الوقائع دموية في التاريخ العراقي الحديث، حيث قُتل وذُبح ما يزيد على 1700 شاب عراقي أعزل على يد تنظيم "داعش" في القصور الرئاسية بمدينة تكريت.
هذه الحادثة لم تكن مجرد نتيجة لهجوم عسكري، بل مثّلت انهيارًا شاملاً للمنظومة الأمنية والسياسية التي تولّت إدارة الدولة العراقية آنذاك، وعلى رأسها رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة نوري المالكي.
أهمية هذه المجزرة لا تكمن فقط في فداحتها الإنسانية، بل في ما كشفت عنه من اختلالات بنيوية في منظومة الحكم: انقسام مؤسسات الدولة على أسس طائفية، غياب القرار العسكري الموحد، وتداخل سلطة الحزب مع سلطة الدولة.
لقد شكّلت سبايكر مرآةً عاكسة لنتائج السياسات التي اعتمدها المالكي خلال سنوات حكمه (2006–2014)، حيث جرى إضعاف المؤسسة العسكرية لحساب الولاءات الحزبية والطائفية، وتهميش مبدأ المهنية والانضباط في القيادة والقرار.
تُروى في أحد التسجيلات المصوّرة شهادة لإحدى أمهات ضحايا سبايكر التي التقت المالكي خلال زيارة له في جامعة على طريق كربلاء–طويريج. وقد توسّلت إليه، كما تقول، أن يفتح تحقيقًا في مصير ابنها وزملائه، غير أنه قابلها باستهانة وأدار وجهه عنها مكتفيًا بعبارة ساخرة: «هيييه!».
ورغم بساطة المشهد في ظاهره، فإنه يحمل رمزية عميقة لمأزق العلاقة بين السلطة والمجتمع: علاقة قائمة على الازدراء واللامبالاة إزاء آلام الناس، في مقابل تقديس الشكل المؤسسي الفارغ من المسؤولية الأخلاقية.
في عام 2015، شُكّلت لجنة برلمانية للتحقيق في سقوط الموصل وعدد من المحافظات الشمالية، ووجّهت اللجنة الاتهام إلى المالكي وعدد من القادة العسكريين ومسؤولي مكتبه، إلا أن التحقيق أُغلق واختفت نتائجه، ما يعكس استمرار منظومة الإفلات من العقاب التي تحكم السلوك السياسي في العراق ما بعد 2003.
اليوم، وبعد عقدٍ من الزمن، يعود المالكي إلى المشهد السياسي مجددًا، مرشحًا نفسه لقيادة الحكومة ضمن ما يسمى بـ"ائتلاف دولة القانون"، في مشهدٍ يُجسّد العبثية السياسية في النظام الانتخابي العراقي، حيث تتكرر الوجوه والشعارات نفسها منذ عام 2005 دون أي تجديد حقيقي في البنية أو الفكر السياسي.
تُدار الانتخابات في العراق في ظل هيمنة الأحزاب الطائفية والميليشيات المسلحة، التي تستغل الدين والرموز المذهبية لتعبئة الناخبين، مستعينة بشبكات من المصالح والتهديدات والرشاوى الانتخابية.
وقد وصل الخطاب الديني إلى حدّ تجريم المقاطعة واتهام المقاطعين بمعاداة المذهب أو بالانتماء للبعث، ما يجعل العملية الانتخابية أشبه بواجب طقوسي أكثر منها ممارسة ديمقراطية حقيقية.
من هنا، فإن الدعوة إلى مقاطعة الانتخابات لم تعد مجرّد موقف احتجاجي، بل تحوّلت إلى خيار سياسي مقاوم في مواجهة نظام مغلق يعيد إنتاج نفسه عبر أدوات شرعية شكلية.
فالمشاركة في انتخابات تُدار من قبل نفس القوى التي عطّلت العدالة في مجزرة سبايكر ليست سوى تبريرٍ أخلاقي لدوام المأساة.
ختامًا، إن مجزرة سبايكر لم تكن نهاية جيل من الشباب فحسب، بل كانت نقطة مفصلية في فقدان الثقة بين المجتمع والدولة.
ومادام الجناة والمقصّرون طلقاء، يعاودون الظهور بوجوه جديدة وشعارات قديمة، فإن الحديث عن ديمقراطية في العراق يبقى وهمًا سياسيًا مغطى بلغة انتخابية زائفة.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |