الوجودية الأزلية وعقوق الوالدين - الاحقاف

طلعت خيري
2025 / 10 / 8

أفرغت الوثنية الإسرائيلية مجتمعها من وحدانية الخالق ، مستبدلة أيها بأنداد من دون الله وشركاء تحت مسميات مختلفة ، أحلت المعاصي والموبقات بفتاوى دينية سياسية ، ينتفع منها رجال الدين والكهنة والأحبار والرهبان أموالا ومناصب سلطوية ، مما أدى الى غياب عقيدة الإيمان بالله واليوم الأخر ، وبروز تيارات الحادية وجودية أوغلت بالملذات دون قيود ، منتجة اعتقاد وجودي أزلي رافض للبعث والنشور وداعم للتكالب الدنيوي على المال والأهواء ، فعملية انتزاعه بالإيمان والدعوة الاخروية أمرا صعبا ، فأي فكر عقائدي جديد يحد ويقيض من رغبات وملذات الوجودية الأزلية يتهم ، إما بعدم النفعية لخلوه من المصالح الشخصية والسياسية ، وإما بأكاذيب الماضي ، أثمرت دعوة شاهد بني إسرائيل في قومه عن إيمان البعض منهم ، أما الرافضين للبعث والنشور فكان ردهم كالآتي، قال الله وقال الذين كفروا للذين امنوا لو كان خيرا ما سبقونا أليه ، ما سبقونا إليه عدم نفعيته المادية ، وإذا لم يهتدوا به فسيقولون هذا أفك قديم ، أكاذيب من الماضي

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ{11}

غيب الدين السياسي الوثني الإسرائيلي الدعوات الدينية الصحيحة عن وعي مجتمعه ، حتى بات لا يعلم شيء عن تاريخ أسلافه الحافل بالأنبياء والرسل والكتب المنزلة ، الممتد من قبل الميلاد وحتى القرن السادس الميلادي ، الى حالة ان المجتمع استغرب من دعوة محمد ، والكيفية التي أصبح بها رسولا ، وما هي ماهية الكتاب الذي انزل معه ، وبناءا على شهادة شاهد بني إسرائيل في قومه ، المتضمنة صدق رسالة محمد ، وان ما جاء به من كتاب لا يختلف عن كتابي موسى والتوراة ، توجه التنزيل الى القاعدة الجماهيرية الإسرائيلية لتحفيز الوعي العقائدي ، معيدا لذاكرة أسلاف بني إسرائيل الكتب التي نزلت على أنبيائهم ورسلهم قال الله ، ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة ، وهذا كتابا أي القران مصدقا ، مصدق لكتابي موسى والتوراة ، لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين

وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَاناً عَرَبِيّاً لِّيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ{12}

أدت شهادة شاهد بني إسرائيل في قومه الى استقطاب البعض منهم الى عقيدة الإيمان بالله واليوم الأخر ، وعلى أثرها تعرض الى مقاطعة أسرية وتأفف وتوبيخ من قبل احد أبنائه ، لما دعاه الى تصديق القران المُصدق لكتابي موسى والتوراة ، ولقد أثمر صمود المؤمنين بالله واليوم الأخر من بني إسرائيل أمام التحديات والوثنية والوجودية الأزلية عن رضا الله ، مطمئنا إياهم بان لا خوف عليهم من العواقب الاخروية ، قال الله ان الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم لا هم يحزنون ، أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون

إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ{13} أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ{14}

لم يقتصر التعصب الوثني الإسرائيلي على المصالح السياسية والاقتصادية للطائفة ، إنما امتد الى الأسرة ، حيث تعرض شاهد بني إسرائيل وزوجه الى مقاطعة عاقة من قبل احد أبنائهما ، ناكرا عليهما رعايتهما وفضلهما في تربيته منذ الطفولة وحتى البلوغ ، أسباب المقاطعة هي ، ان الوجودية الأزلية أعطت انطباع اعتقادي بان الوالدين ليس لها دور في دعوة الإنسان الى الإيمان بالله واليوم الأخر ، كما ان دورهما في الحياة دورا وجوديا كباقي الكائنات الحية التي ترعى ولاداتها من الصغر وحتى البلوغ ، صحح التنزيل اعتقاده ناقلا إليه وصايا الله في بر الوالدين المنصوص عليها في الكتب ، ودعوات الأنبياء والرسل ، ليقدم لنا أنموذج حافل بالقيم الإنسانية الداعية الى بر الوالدين ، قال الله ووصينا الإنسان بوالديه أحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها ، وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ، حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة ، قال رب أوزعني ان اشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي ، وان اعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي ، إني تبت إليك ، واني من المسلمين

وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ{15}

عرض التنزيل على الوجودية الأزلية المصير الأخروي المشرف ، لكل من تعامل بجدية وصدق مع القيم الإنسانية الداعية الى بر الوالدين ، قائلا

أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ{16}

من باب المسؤولية التاريخية التي تقع على عاتق الوالدين ، دعوة أبنائهم الى الإيمان بالله واليوم الأخر، خوفا عليهم من عواقب المصير الأخروي ، ذلك مما دفع شاهد بني إسرائيل الى دعوة أبنائه الى الإيمان بالله واليوم الأخر ، إلا ان احدهم قابله بالتأفف والغضب رافضا غيبية البعث والنشور لاعتقاده بالوجودية الأزلية قال الله ، والذي قال لوالديه أف لكما ، أتعدانني ان اخرج ، أي اخرج يوم القيامة ، وقد خلت القرون من قبلي ، وهما يستغيثان الله ، ويلك امن ان وعد الله حق ، فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين

وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِن قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ{17}

عرض التنزيل على الوثنية الإسرائيلية المصير الأخروي ، لرافضي البعث والنشور، وعاقي الوالدين للاطلاع على حالة الخسارة الأخروي ، عند جمعهم في أمم على شاكلتهم من عالمي الجن والإنس ، قال الله

أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ{18}وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ{19}

يبني شياطين الاعتقادات الوثنية والأديان السياسية مصالحهم الدنيوية على الأهواء والرغبات والحريات الشخصية ، مسخرين السماوات والأرض لمصالحهم السياسية والاقتصادية ، فهم لا يشيرون في اعتقاداتهم الى خالقهن ، إنما الى الشريك مع الله ، على اعتقاد ان الله اتخذ شركاء من خلقه ، أعانوه على خلق السماوات والأرض ، وتحت اسم الشريك تستغل مفاصل الحياة لصالح الوثنية والدين السياسي ، ان الشراكة في خلق السماوات والأرض تخفي غيبية البعث والنشور عن وعي المجتمع ، كما تعطي انطباعا أزليا للحياة بان لا نهاية للعالم المرئي ، وهذا ما يحقق اعتقاد الوجودية الأزلية الداعمة للتكالب الدنيوي على الأهواء الرغبات والحريات الشخصية ، ان التكالب على الملذات والرغبات الدنيوية يغلق أفق الوعي لدى الفرد ، الى حالة انه لا يعطي لنفسه فرصة للتفكير بمصيره الأخروي ، قال الله ويوم يعرض الذين كفروا على النار، أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ، واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون ، بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق ، وبما كنتم تفسقون

وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ{20}

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي