بين العشيرة والدولة: أزمة الهوية الوطنية في العراق المعاصر

مالك الجبوري
2025 / 10 / 5

مالك الجبوري


يتناول هذا المقال أزمة الهوية الوطنية في العراق من خلال دراسة رمزية لصعود الأعراف العشائرية على حساب مؤسسات الدولة الحديثة. ينطلق التحليل من حادثة اتهام الكاتب غالب الشابندر لرئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني وما تبعها من ردٍّ عشائري، بوصفها نموذجًا مكثفًا لتداخل الولاءات ما دون الوطنية. يبيّن المقال كيف تحوّلت “الدكة العشائرية” إلى أداةٍ لفرض النفوذ الاجتماعي والسياسي، مستعرضًا جذور هذه الظاهرة في التاريخ الحديث، ومقارنًا بين تحذيرات الملك فيصل الأول حول غياب الهوية الوطنية وبين واقع العراق المعاصر الذي تُهيمن عليه الانتماءات الطائفية والحزبية والعشائرية. ويخلص المقال إلى أنّ غياب الدولة القانونية وضعف مفهوم المواطنة يشكلان العائق الأكبر أمام قيام دولة مدنية حديثة في العراق.
يشهد العراق منذ سنوات طويلة أزمة بنيوية عميقة تتجاوز حدود السياسة اليومية، لتطال مفهوم الدولة نفسها ومعايير الانتماء الوطني. ففي الوقت الذي يُفترض أن تحتكر الدولة وحدها العنف المشروع، يبرز المشهد العشائري بقوة باعتباره فاعلاً موازيًا، يفرض منطقه الخاص في التسوية والردع والولاء. وقد تجلّت هذه الأزمة مؤخرًا في الجدل الذي أثاره الكاتب والمحلل السياسي غالب الشابندر حين وجّه اتهامًا لرئيس الوزراء محمد شياع السوداني، واصفًا إياه بأنه "بعثي وابن بعثي". لم يصدر عن السوداني رد رسمي، غير أنّ الرد جاء من خارج المؤسسات — من العشيرة، التي خرج أبناؤها إلى الشوارع مدججين بالسلاح، ممارسين ما يُعرف بـ"الدكة العشائرية"، وهي ممارسة أصبحت رمزًا للانفلات الأهلي وتغوّل الولاءات الأولية على حساب الدولة.
في إحدى المقابلات التلفزيونية، حاول القيادي في ائتلاف الإعمار والتنمية محمد العكيلي تبرير هذه الظاهرة، معتبرًا أن "الدكة العشائرية سلوك حضاري" هدفه التنبيه لمن يتجاوز حدود "الحضارة" وهذا التبرير، بما يحمله من تناقض بين مفهوم "الحضارة" ومنطق السلاح، يعكس التحول العميق في القيم الاجتماعية والسياسية داخل العراق، حيث بات الانتماء للعشيرة أرفع من الانتماء للدولة، وسلطة العرف أقوى من سلطة القانون.
ليست هذه الحادثة الأولى في هذا السياق، فقد شهد عام 2015 واقعة مشابهة حين لجأت النائبة حنان الفتلاوي إلى عشيرتها لحل خلاف مع النائب بليغ أبو كلل، مفضلة الحل العشائري على المسار القضائي. إنّ لجوء النخب السياسية نفسها إلى الأعراف العشائرية يعكس انهيارًا خطيرًا في ثقافة الدولة ومبدأ سيادة القانون، حيث يصبح "القانون الأهلي" أداة ردعٍ موازية لمؤسسات العدالة الرسمية.
لقد عبّر الملك فيصل الأول في ثلاثينيات القرن الماضي عن تشخيص مبكر لهذه الإشكالية حين كتب:
“لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل تكتلات بشرية خيالية، خالية من أي فكرة وطنية، متشبعة بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمع بينهم جامعة.”
يبدو أن مقولته لم تفقد صلاحيتها بعد قرنٍ من الزمن؛ فالعراق اليوم ما زال يتأرجح بين الانتماءات الفرعية: الحزب، الطائفة، المرجعية، العشيرة، دون أن تتبلور هوية وطنية جامعة. وقد أدى هذا الانقسام إلى تفكك البنية السياسية إلى مناطق نفوذ، تديرها الأحزاب والميليشيات والعشائر كلٌّ وفق منطق القوة والمصلحة.
إنّ أزمة العراق ليست في تعدّد الولاءات فحسب، بل في غياب مشروع وطني جامع يُعيد تعريف المواطنة بوصفها انتماءً إلى الدولة لا إلى العشيرة. ما لم يُعاد الاعتبار لمفهوم الدولة القانونية القادرة على فرض هيبتها واحتكار العنف المشروع، ستبقى “الدكة العشائرية” نموذجًا مصغّرًا للعراق كله: بلدٌ تتصارع فيه الولاءات الصغيرة على جثة الدولة الكبرى.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي