هل نحن نعرف حقًا من هو الله؟!

بولا ماجد منير
2025 / 10 / 3

الله الذي تصنعه أيدينا وعقولنا

الله ليس هو الذي تعرفه أنت، ولا الذي أعرفه أنا. ليس هو الذي تصفه الرهبان في معابدهم، ولا الشيوخ في منابرهم، ولا العلماء في كتبهم، ولا حتى الفلاسفة في مدوناتهم. الله، كما نصنعه نحن، هو نتاج ضعفنا، صورة من صور عجزنا، لوحة نرسمها بأيدٍ مرتجفة ونلونها بأوهامنا. الضعيف يحتاج إلى جبار، فيسميه جبارًا. الجاهل يحتاج إلى حكيم، فيخلع عليه صفة الحكيم. الحزين يحتاج إلى سعادة، فيصفه بالسعيد. نحن، منذ أن ولدنا في الطبيعة القاسية، نبحث عن منقذ كما يبحث الطفل عن حضنٍ دافئ.

منذ فجر التاريخ ونحن في حرب مع الطبيعة: نقتل كي لا نُقتل، نضحي كي لا نُضحى بنا. ومع كل خطوة في هذا الصراع تطورت أدواتنا، لكن بقيت رغبتنا واحدة: أن نجد منقذًا أعلى يرفع عنا عبء العيش. أنانيتنا — التي منحت لنا بشكل مبالغ فيه — دفعتنا لصناعة آلهة على مقاس ضعفنا حتى لا نشعر بالعجز، كما صنعنا الأساطير والقصص.

عقلك، مهما توهمت، لا يعمل من أجل الحقيقة. إنه جهاز للبقاء، مبرمج ليُبقيك حيًّا حتى لو خدعك، حتى لو بنى لك أوهامًا. عاطفتك تصدر الأوامر، وعقلك لا يفعل سوى أن يلبسها ثوب المنطق. فلا تظنن يومًا أنك بعقل واعٍ حر وإرادة كاملة اخترت إلهك. إلهك، في الحقيقة، هو نتاج خوفك، وكاسر مخاوفك. لو كنت قويًّا بحق، لما احتجت إليه أصلًا. لكنك ضعيف، لذلك تزينت بقوة إلهك ونسيت أنك تكشف بضعفك ما تحاول ستره.

هذا هو الإله الذي نصفه دائمًا على حسب ضعفنا. أهو الإله الحق، أم هو إله مخاوفنا الذي بدأ من الطبيعة ثم اتخذ شكل الكواكب والفلك، ثم الحكومات والضرائب والإقطاعيين، ثم المرض والجهل، ثم الحاجة إلى فكر جديد ومنقذ وفادٍ؟ الله، كما نصوره نحن، ليس إلا نتاج رغباتنا المكبوتة، كما قال فرويد عن الأحلام: تفسيرٌ لأمنياتنا أكثر منه كشفٌ للواقع.

لماذا لا نترك لله أن يصف نفسه؟ لماذا لا نصغي لصوته بدل أن نملأ الكون بأصداء خيباتنا؟ لماذا نصر دائمًا على أن يكون انعكاسًا لرغباتنا، شهواتنا، قذاراتنا؟ يا أيها البشر، أنتم مصنع الأوهام، ضعفاء الطبيعة، حثالة الأرض، تصفون كل شيء بحسب أهوائكم ثم تتوهمون أنكم اكتشفتم الحقيقة.

الحقيقة المُرّة هي أنكم لا تعرفون ربكم، وهو لا يعرفكم. أنتم تبحثون عن المنقذ لأنكم لا تريدون أن تكونوا أهلاً للنجاة. أنتم مثل سندريلا تنتظرون الأمير، والأمير لن يأتي. يا أيها البشر، أنتم آلهة أنفسكم. فابحثوا عن أنفسكم أولاً، قبل أن تبحثوا عن منقذ. لأنكم لا تعرفونه ولا هو يعرفكم.

🖋️ بولا ماجد منير

في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر