عامين من طوفان الأقصى : تحولات من الدائرة العربية المغلقة إلى الفضاء الدولي الأوسع

حسين سالم مرجين
2025 / 10 / 3

بعد عامين على اندلاع معركة طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023م، والتي اعتُبرت من أكبر وأعقد المواجهات بين المقاومة الفلسطينية وقوات الاحتلال، بدأت تتبلور ملامح جديدة في المشهد السياسي والدبلوماسي للقضية الفلسطينية، خاصة فيما يتعلق بالمبادرات الأمريكية المطروحة لما يُسمى بـ السلام. ورغم كثافة التهديدات التي أُطلقت خلال تلك المرحلة، والتي تمحورت حول تهجير سكان غزة والقضاء على المقاومة، إلا أن الواقع أفرز نتائج مغايرة. فقد أثبت الشعب الفلسطيني صموده، وأظهرت المقاومة قدرتها على التحدي والمناورة، مما انعكس في تراجع سقف المطالب الأمريكية والإسرائيلية. تجلى ذلك مؤخرًا في المبادرة الأمريكية الجديدة التي دعت إلى وصاية دولية على غزة وطرد المقاومة، تمهيدًا لتسوية سياسية تحت النفوذ الإسرائيلي. ورغم أن هذه المبادرة لا تحمل جديدًا في جوهرها، إلا أنها تكشف عن مؤشرات مهمة، أبرزها:
• الاعتراف الضمني بقوة وصمود المقاومة الفلسطينية، فلو كانت المقاومة قد انتهت أو ضعفت كما يروج البعض، لما كانت هناك حاجة لمثل هذه المبادرات الدولية المتكررة. فالمستوى العسكري الإسرائيلي لم يحسم الحرب في غزة. وهنا نسارع إلى القول بإن الحسم سيتم على الصعيد الحقوقي والدبلوماسي والسياسي. هذه الحقيقة تُعتبر واقعية، خاصة بالنسبة للمقاومة الفلسطينية التي تعتمد في آخر المطاف على أدوات غير عسكرية مثل الدبلوماسية، والتواصل مع المجتمع الدولي، وتعبئة وحشد الرأي العام الدولي، بغية تعزيز قضيتها وتحقيق أهدافها.
• تزايد المواقف الدولية المؤيدة للحقوق الوطنية الفلسطينية، حيث جاء ذلك في ظل ضغوط متزايدة من الرأي العام العالمي ضد الاحتلال الإسرائيلي، مما شكل ضغطًا كبيرًا على الإدارة الأمريكية لتقديم طرح يُرضي بعض الأصوات الغربية من جهة، ويخفف الضغوطات الدولة على الكيان الإسرائيلي من جهة أخرى.
• تفكك وتآكل السردية الصهيونية التقليدية، التي بُنيت على مظلومية اليهود بعد الحرب العالمية الثانية، حيث بدأ العالم يدرك أن الشعب الفلسطيني هو شعب خاضع للاحتلال يقاوم من أجل الحرية والعدالة والكرامة، وليس كما كان يُصوّر سابقًا كمعيق لعملية السلام.
• قبول متزايد للسردية الفلسطينية، هذا القبول يعكس تغيرًا عميقًا في الوعي السياسي العالمي تجاه جوهر الصراع.
بناءً على ما سبق، يمكن القول إن معركة طوفان الأقصى لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل شكلت نقطة تحوّل استراتيجية في بنية الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي. أسست لمرحلة جديدة قد تُسهم في تفكيك الأسس التي قام عليها الكيان الإسرائيلي، وعلى رأسها احتكار السردية التاريخية وتوظيفها لتبرير وجوده وممارساته. فهذا الكيان يخاف من الاعتراف بالحقائق المكبوتة التي قد تهدد وجوده وتزعزع استقراره.
إذن، نحن نعيش مرحلة فارقة، حيث لم تعد الرواية الفلسطينية تُهمش، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من النقاش العالمي، مما يمثل نقلة نوعية في مسار النضال الفلسطيني. يعكس هذا التحول فهمًا عالميًا عميقًا لتفاصيل المشهد الفلسطيني وتعقيداته، ويعيد تشكيل التصور الذهني للرواية الفلسطينية، خصوصًا في ظل التوازنات الإقليمية والدولية الراهنة. يتضمن ذلك الموقف الأمريكي الذي غالبًا ما يكون منحازًا للموقف الإسرائيلي، حتى في ما يُعرض على أنه مبادرات للسلام أو وقف إطلاق نار.
كذلك من أبرز المفارقات في المشهد السياسي العالمي الحالي أن القضية الفلسطينية لم تعد محصورة في الدائرة العربية الرسمية المغلقة، التي اتسمت بالعجز والتردد وأحيانًا التواطؤ الصامت. بل أصبحت جزءًا من أجندة دولية أوسع وأكثر وعيًا بالبعد الإنساني والحقوقي للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي. بالتالي يمكن القول إن القضية الفلسطينية خرجت من دائرة الاهتمام العربي المغلقة إلى فضاء دولي أرحب وأكثر إنصافًا. كل ذلك فتح آفاقًا جديدة لمسارات مستقبلية للقضية الفلسطينية.
عموماً، يمكن القول إنه من غير المرجح أن تقبل المقاومة الفلسطينية، وتحديدًا حماس والجهاد الإسلامي، بالمبادرة الأخيرة التي طرحها الرئيس الأمريكي ترامب، حيث إن هذه المبادرة تصب في مصلحة إسرائيل أكثر من كونها مبادرة إنسانية أو سياسية متوازنة. وبالتالي، من المتوقع أن تطالب المقاومة الفلسطينية بوقف شامل للعدوان، ورفع الحصار، وضمانات بعدم تكرار العدوان، بالإضافة إلى قضايا جوهرية مثل الإعمار، وعودة النازحين، وحرية الحركة. لذلك، أي مبادرة لا تتضمن هذه البنود، أو تبقي على الاحتلال وتحيط المقاومة سياسيًا أو عسكريًا، يُرجح رفضها أو المطالبة بتعديلها. كما أن المقاومة قد ترد بتصور أو مبادرة مضادة، أو تطالب بوساطة دول تُعتبر أقل انحيازًا. ومن المفارقات المهمة غياب السلطة الفلسطينية عن هذه المبادرة، مما يعكس تهميشها المتزايد في المشهد السياسي، سواء في غزة أو الضفة الغربية، ويعود ذلك إلى عدة مبررات، أهمها:
• إضعاف الشرعية الشعبية للسلطة بسبب عدم إجراء انتخابات وتراكم الإحباط الشعبي من أدائها.
• تفريطها في أدوات الفعل السياسي والميداني، إذ لم تعد تملك تأثيراً يُذكر على الأرض، خاصة في غزة.
• التنسيق الأمني مع الاحتلال، أفقدها المصداقية لدى قطاعات واسعة من الشعب الفلسطيني.
والأهم من ذلك، فإن الطرفين الأمريكي والإسرائيلي لم يعودا يرون في السلطة شريكًا فعالًا في هذه المرحلة، بل مجرد إدارة محلية للحفاظ على الوضع القائم في الضفة. ومن المحتمل أن يُثار حديث عن سلطة بديلة، وهو احتمال بدأ يتردد في بعض الدوائر الغربية والإسرائيلية، من خلال مشروع إعادة تشكيل السلطة أو إيجاد جسم سياسي بديل يشارك في حكم غزة ما بعد الحرب.
عموماً، قد يشهد المشهد الفلسطيني في المرحلة القادمة إعادة تشكيل كاملة للسياسة الفلسطينية، كما قد تبرز صراعات فلسطينية - فلسطينية على شرعية التمثيل، خاصة بعد تراجع السلطة وصعود المقاومة. في المقابل، قد تنجح المقاومة في فرض نفسها طرفًا شرعيًا في أي معادلة قادمة، خاصة إذا خرجت من الحرب بإنجازات ميدانية أو سياسية مهمة بدعم من فضاء دولي.

في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر