|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

داود السلمان
2025 / 9 / 28
في كتابه الشهير "وعاظ السلاطين"، انتقد الدكتور علي الوردي النفاق الذي كان يراه في سلوك كثير من رجال الدين الذين وقفوا إلى جانب السلطة، يدافعون عنها ويبررون ظلمها تحت ستار الدين والتقوى، منذ فجر الاسلام إلى هذا اليوم. لم يكن الوردي يقصد التقليل من الدين نفسه، بل أراد فضح أولئك الذين استغلوا الدين ليصبح أداة بيد السلطان - الخليفة، يضرب بها خصومه ويحصن بها عرشه - قصره. كان يراهم يعظون الناس بالزهد والتقوى وهم أنفسهم غارقون في ملذات الدنيا، يُحرمون الثورة على الظالم، ويوجبون الطاعة له مهما استبد وتغطرس، متناسين عدالة الدين وروحه الثورية.
غير أن الصورة التي رسمها الوردي في منتصف القرن العشرين تبدو اليوم أقل قسوة من واقعنا المعاصر؛ خصوصًا في العراق، فترة الاربع عقود الماضية. لقد كان يتحدث عن رجال دين يبررون أفعال السلاطين – حكام الدولة، أما اليوم، فقد أصبح بعض "الوعاظ" أنفسهم سلاطين، ساسة برلمانيين. لم يعودوا يكتفون بتمجيد الحاكم وتزيين باطله، بل صاروا شركاء في صنع الطغيان، والفساد، وتحطيم الدولة العميقة، بل ربما تجاوزوه في القسوة والانحطاط، والاستهتار بمقدرات الشعب، وتبديد ثروته. أصبحوا يصدرون الفتاوى التي تبرر القتل والقمع والتجسس والخيانة، ويتفننون في تبرير كل ما يخدم السلطة، حتى وإن خالف العقل والمنطق وروح الدين نفسه.
الفرق بين وعاظ الأمس و وعاظ اليوم يشبه الفرق بين تابع مهان وجندي شرس. وعاظ الأمس كانوا يقفون في ظل السلطان، يلتقطون فتات عطاياه ويخافون بطشه، أما وعاظ اليوم، فقد أصبحوا هم من يُخيف الناس، ويوجهون الجيوش الإعلامية، ويُفصلون الدين تفصيلًا على مقاس السلطة، ويتكلمون بالطائفية. لم يعودوا مجرد أبواق للظلم، بل أدواته المباشرة، التي تقمع الشعب. صاروا يروّجون لدين جديد، دين السلطة والطاعة العمياء، دين لا يعرف حرية ولا عدالة ولا رأي آخر.
في الماضي، كان الواعظ يخجل أحيانًا من تبرير الفساد، يلف ويدور، يُحاول استخدام عبارات مزدوجة توحي بأنه مع الله دون أن يغضب السلطان. أما اليوم، فلا خجل ولا حياء. بل نجد من يعلن بكل صفاقة أن الحاكم لا يُسأل عمّا يفعل، وأن معارضته خروج على الدين، وأن الدماء التي تسفك باسم الأمن والاستقرار هي قربان يُتقرب به إلى الله. هؤلاء لا يكتفون بتشويه الإسلام، بل يُحطمون العقل، ويُربّون أجيالًا كاملة على الخنوع والجبن والازدواجية.
ولعل الأخطر من ذلك أنهم أصبحوا يوعظون الشياطين. في استعارة جديدة تعكس المأساة، لم يعد هؤلاء يعظون السلاطين وحدهم، بل باتوا يخاطبون أبشع القوى في العالم، يبررون التحالف مع المستعمر، والتطبيع مع القاتل، بل ويدافعون عن الفساد العالمي إن خدم مصالحهم. أصبحوا يُعطون صكوك الغفران لكل طاغية، مهما كانت جرائمه، ما دام يقف في صفهم أو يمنحهم شيئًا من سلطة أو مال أو إعلام. وعندي من هذا أمثلة كثيرة، وكثيرة جدًا، لا يجهلها القارئ المتتبع.
إنهم لا يكتفون بأن يكونوا رجال دين تقليديين، بل يُعيدون تشكيل العقيدة ذاتها لتناسب مصالحهم الشخصية، حتى صاروا يمتلكون العقارات والاموال الطائلة في بنوك العالم. يجعلون من الدين عباءة تغطي مشاريع سياسية وأمنية واقتصادية مشبوهة. يقتطعون النصوص من سياقها، ويُعيدون تفسيرها وفق أهوائهم. وكل من يعارضهم يُتهم بالزندقة، أو العمالة، أو الكفر، أو تشويه صورة الدين. إنهم لا يقبلون الحوار ولا النقد ولا حتى الأسئلة البسيطة. إنهم حراس بوابة الجحيم، لا يخيفون الناس من النار، بل يقودونهم إليها باسم الدين، دينهم الجديد، ليس الدين الأصيل.
والمؤلم في كل هذا، أن كثيرًا من الناس ما زالوا يُصدقونهم. ربما لأن الخوف كَبير، أو لأن العقل مُغيب، أو لأن النفاق أصبح ثقافة سائدة. لكن حين يُصبح الكذب دينًا، والظلم طاعة، والنفاق تقوى، نعرف أننا في زمن اختلطت فيه الأمور، حتى صار الشيطان يعظ، وشيخه يُفتى، ومريده يُكفّر كل من يحاول أن يُعيد للدين روحه الحقيقية.
هؤلاء الوعاظ الجدد لا يواجهون فقط خصومهم السياسيين أو المذهبيين، بل يواجهون كل من يُحاول التفكير. إنهم يكرهون العقل لأنه يفضحهم، ويكرهون الحرية لأنها تُهدد عروشهم، ويكرهون السؤال لأنه يُزعزع ما بنوه من أوهام. لذلك تراهم يُحاربون كل مظاهر الوعي، يشيطنون المفكرين والمثقفين، يلاحقون كل صوت مختلف، ويَصُبّون جام غضبهم على الشباب الذين يطرحون أسئلة صادقة عن الله والكون والإنسان.
وفي خضم هذا الخراب، يُصبح من واجب كل من ما يزال يحتفظ بذرة ضمير أن يفضح هؤلاء، لا باسم الإلحاد أو الكراهية، بل باسم الدين الحقيقي، باسم العدالة، باسم الضمير الإنساني. فالدين الذي جاء ليُحرر الإنسان لا يمكن أن يكون أداة عبودية، والقرآن الذي مجّد العقل لا يمكن أن يُستخدم لتجهيله، والرسول الذي حارب الظلم لا يمكن أن يكون مَرجعًا لمن يُباركون الاستبداد.
لسنا ضد الدين، بل ضد من استغله لقتل جوهره. لسنا ضد العلماء، بل ضد أدعياء العلم الذين لبسوا عباءة الشيطان وسمّوا أنفسهم أولياء لله. ولسنا ضد الطاعة، بل ضد الطغيان الذي يُلبس الطاعة ثوبًا مقدسًا ليُخفي عورته.
لقد تجاوزنا عصر "وعاظ السلاطين"، نحن الآن في زمن "سلاطين الوعظ" و"شيوخ الشياطين". زمن يحتاج إلى نهضة فكرية وأخلاقية تُعيد الأمور إلى نصابها، وتفصل الدين عن الاستغلال، وتُعيد للعقل احترامه، وللناس كرامتهم، وللحق مكانه الذي يستحقه.
وأعتقد آن الأوان، وقربت الساعة، للتغيير الشامل، بوجود المصلحين، المثقفين، الواعين، المحبون للوطن والناس، ويرغبون بأن العدالة تسود العالم، لكي يعيش الكل بالرفاهية والسعادة، ويعم السلام ربوع الاوطان.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |