|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

يوسف المحسن
2025 / 9 / 27
بعضٌ منَ المهنِ مدلَّلة جدّاً و (نداريها مثل المي بالصينيّة)، نصطحبُها معنا إلى المنزل مثل القطط التي تبدو وديعة، نسحل حكاياتها سحلاً كجرار الغاز الفارغة. مهن أخرى ننساها أو نتناساها ما أنْ نغادر المكان ونلملم العدَّة والادوات ونغسل (المالج والصباين والشفرات) ونمشّط شَعرنا(إن وجد) ونلم الصونده ونطفّي الكهرباء من السيركت. فيما مهنٌ ثالثة تنتهي وقت صلاة الظهر ما أن يغلق (الصندوگ نشمر الوصولات وندگ فچ وانتاني الحلَّه) وبصمة الساعة الثانية والنصف.
وصفٌ يعلق في شبكته الطبيبُ الشاطرُ المُرغم على تحديث معلوماته أوّلاً بأوّل حول التقنات العلاجيّة ليتابع مرضاه طوال اليوم، والصحفي المواكِبُ وهو يطاردُ شريط الاخبار و(الگالات وقالي وقلت لو وياعواجل فلفلو) على شبكات التواصل ولا يعطيها اذن (الطرشه) على طريقة فريد الأطرش، اضافة إلى مهنٍ أخرى مثل العاملين في التجارة وسط تقلّبات الأسعار والسياسي (اللي لازم يتخشخش العصر) ويحضر فواتح واعراس و(مشيات) ودعوات عشاء بالمطاعم سبع نجوم.
حين تراقبُ حركةَ خروجِ التلاميذ من المدارس تستهويك فكرة أنّ حقائبهم أصبحت أثقل قليلاً مما بدت حين دخلوا صباحاً، خاصّة وقد أُفرِغت من (قنينة الماء، النساتل، دفتر الأملاء الذي سيخضع للتصحيح من قبل المعلم)، وحين يبدأ المعلمون بالمغادرة ايضاً تستهويك الفكرة ذاتها، فهم يسحلون ظلّهم الذي تتشبث به هموم ومشاغل اليوم الطويل وما تأجّل منه إلى الغد، ثقلُ حقائبهم لا يقلُّ عن ثقلِ رؤوسهم المعبّأة بالأصوات التي لا تهدأ.
المعلّم يقف في أوّل طابور الحاملين مهنهم وهمومها إلى المنزل وإن كان اقلّهم دخلاً، فالحقيبة ليس فيها غير (شخابيط تشبه وصفات يكتبها الطبيب على عجالة) واسطر عوجاء مكررة.
اصطحاب هموم المهن إلى (الحوش) وحملها في الرأس ليس شيئاً هيناً، فهي تشاطرنا اليوميّات، وتصبح هي الحياة بدلاً من ان تكون جزءً منها.
والمهم حين نأخذُ اولادنا إلى الطبيب فإنّنا نتابع كلَّ صغيرةٍ وكبيرة ونتابع الممرض والشعاعي والصيدلي، وحين نزور الميكانيكي او كهربائي السيّارات فأننا (نوگف عله راسه)، بعد اخوك الأصلي، لمن يكمّل، لكنّنا نترك اطفالنا بباب المدرسة لخمس ساعات ونرحل الى اعمالنا مطمئنين، ذلك لأنَّ المعلّم يقوم بالمهمّة، فلا يوجد كائنٌ يُنصت إلى الطفل أكثر من معلّمهِ.
في المقهى، يجلس ذات المعلم ممسكاً الشاي المر ليسترجع مادار خلال اليوم الدراسي، التلاميذ لم تكن راضية عنه، المدير كان عصبييَّ المزاج، المشرف دخل مثل (المحافظين) المصريين، زي القضا المستعجل، لقد صَحَّحَ لهُ امامَ التلاميذ وقلَّل من شأنه واستجوبه، يُعيد المعلّم الملعقة من الصحن إلى الاستكان ويديرها عكس عقارب الساعة ليستعيد المزيد من احداث اليوم، آها .. دخل أحد الآباء واسمعه كلمات بالصميم، تذكّر عبارة (تاخذون رواتب)، وتذكّر أيضاً انّ عليه ان يستعدَّ لدروس الغد، فغادر.
قبلَ أكثرِ من ثلاثين عاماً، وخلال العطلة الصيفيّة، انيطت بي ماكنة عملاقة اسمها (الجلايه) في معمل كاشي، مهمّتي واضحة هي وضع مربعات السمنت المحشو بالحصى في قرص التشغيل الذي يدور طوال اليوم ويصدر ازيزاً يخطف الأذان والقلوب، آخر الليل، يهدأ القرص اللعين، يعمُّ الهدوء في منطقة الدورة و (ابو الچير) وتستيقظ حشرات الليل بصفيرها واسمع نباح الكلاب، لكنّ الازيز يبقى في اذني وكأنَّ المخدّة قرصٌ فولاذي، حتى اغفو.
تحضيرُ المادّة العلميّة، مراجعة الدفاتر، كتابة الخطّة، اعداد التقييمات، تجهيز الوسائل التعليميّة، واشياء اخرى، فعاليّات ترافق المعلّم إلى منزله، تشاطره المساء قبل أن يضع رأسه على المخدّة ليفاجأ بسيلِ الهرج المدرسي موجوداً ويرفض مغادرة رأسه.
فهل انصفناه وسط قرص الانتقادات المدلّلة الذي لا يهدأ !
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |