|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

ياسر جابر الجمَّال
2025 / 9 / 20
تمثل الدراما بُعداً أساسياً في نقل معطيات الواقع إلى شاشة التلفزيون، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وعلى هذا الأساس، يرتكز صُنّاع الدراما على عدة محاور، من بينها تناول قضية أو مسألة أو معضلة أو صراع، سواء كان اجتماعياً أو سياسياً أو ثقافياً أو خلافياً. ومن خلال هذا الطرح، تبرز قضايا تشغل الناس، أو تظهر مسلسلات تعبّر عن اهتماماتهم بمختلف أشكالها.
ومن ذلك مسلسل "الناس في كفر عسكر" فهو عمل درامي مأخوذ عن قصة للكاتب الكبير محمد جلال عبد القوي، عُرض عام 2003. تدور أحداثه حول الصراعات العائلية والاجتماعية في إحدى القرى المصرية، حيث تتجسد قضايا الثأر والميراث والنفوذ. شارك في بطولته عدد من كبار نجوم الدراما المصرية، منهم: صلاح السعدني، دلال عبدالعزيز ، فتحي عبد الوهاب، أحمد بدير، سعد أردش ،، هالة فاخر، إلى جانب نخبة من الفنانين الآخرين.
وفي الحقيقة، عند التماثل بين العمل الدرامي والرواية، نجد أن مسلسل "الناس في كفر عسكر" مأخوذ عن رواية "الناس في كفر عسكر" للكاتب أحمد الشيخ، التي صدرت عام 1994 تقريباً. تدور أحداث الرواية – كما المسلسل – حول عائلة اولاد عوف ،و أولاد شلبي وما ينشأ بينهم من صراعات متعلقة بالثأر والميراث والنفوذ الاجتماعي.
وتقع أحداث الرواية في إحدى القرى القريبة من مدينة طنطا التابعة لمحافظة الغربية (تحديدا كفر عسكر مركز تلا محافظة المنوفية )، وذلك في فترة الملكية قبل ثورة يوليو 1952.
إذا تجاوزنا الجانب السردي والتقنيات الكتابية، فإن الفكرة الأساسية التي يطرحها مسلسل "الناس في كفر عسكر" تتجلى في البعد الرمزي الذي اشتغل عليه المؤلف محمد جلال عبد القوي. فالعمل لا يقتصر على عرض صراع بين عائلتين، بل يرمز إلى قضية كبرى ترتبط بالصراع على السلطة والنفوذ والشرعية.
يتجسد هذا في المواجهة بين أولاد عوف – أصحاب الأرض والشرعية التاريخية في القرية، الذين يمثلون الجذور والحق المتوارث – وبين أولاد شلبي الذين يُنظر إليهم كدخلاء يحاولون فرض وجودهم والاستيلاء على الأرض والممتلكات، وبناء كيان اجتماعي جديد يُمكّنهم من السيطرة على الناس والتحكم في مصائرهم.
ومن هنا يصبح الصراع الدائر بين الطرفين رمزاً لصراع أوسع يعكس إشكالية الشرعية في المجتمع المصري: من يملك الحق في الأرض؟ ومن يملك الشرعية لقيادة الناس؟ وكيف تُمارَس السلطة في فضاء اجتماعي محكوم بالتقاليد والعصبية والولاءات؟
وفقاً لهذا المنحى التأويلي، يمكن الانتقال بمسلسل "الناس في كفر عسكر" إلى مستوى آخر من القراءة الرمزية، حيث لا يقتصر على كونه صراعاً محلياً بين عائلتين، بل يتجاوز ذلك ليعكس القضية الكبرى: الصراع العربي–الإسرائيلي.
فـ أولاد عوف يمكن أن يُنظر إليهم بوصفهم رمزاً للشعوب العربية ذات الجذور العميقة في الأرض، أصحاب الحق التاريخي والشرعية الأصيلة. في المقابل، تمثل جماعة أولاد شلبي رمزاً للوجود الإسرائيلي الوافد، الذي يسعى إلى فرض نفسه كقوة جديدة على الأرض عبر وسائل متعددة: الاستيلاء التدريجي، شراء الأراضي، السيطرة على الموارد، وبناء كيان اجتماعي وسياسي يسحب الشرعية من أصحابها الأصليين.
وبذلك يصبح الصراع الدائر في المسلسل انعكاساً رمزياً للصراع العربي–الإسرائيلي، حيث يتجلى الصراع على الأرض والشرعية والهوية، تماماً كما هو الحال في الواقع السياسي والتاريخي. ومن هنا يمكن القول إن العمل الدرامي يحمل دلالات تتجاوز حدود القرية الصغيرة، ليُحيل إلى واحدة من أعقد القضايا في التاريخ الحديث.
وفق هذا التصوير الرمزي، تدور جميع حلقات المسلسل في إطار الصراع وتجلياته، حيث تُبنى المواقف والأحداث على ثنائية المواجهة بين الطرفين. وتبرز في هذا السياق شخصية جولد مائير التي جسدتها دلال عبد العزيز ، وموشى ديان التي جسدها سعد أردش، وشخصيات كالتي جسّدها الفنان صلاح السعدني – بوصفها رمزاً لزعيم وطني كبير، يمكن أن يحيل إلى شخصية جمال عبد الناصر أو حتى أنور السادات في تجلياتها المختلفة، أي كرمز للقيادة العربية التي تحمل همّ الأرض وتعبّر عن إرادة المقاومة.
هكذا تتحول الشخصيات في المسلسل إلى شخصيات رمزية، لا يصرّح النص بمدلولها المباشر، لكن المتلقي يستشفها من خلال الأحداث وطبيعة الصراع. ويظل خط المواجهة ممتداً عبر الحلقات إلى أن يصل إلى خاتمة تحمل دلالة تفاؤلية، مؤداها أن الانتصار في النهاية سيكون للأصليين أصحاب الأرض، الذين يستعيدون حقهم وتورثه الأجيال من بعدهم.
ويكتسب هذا البعد الرمزي قوة إضافية من خلال الإطار السردي، حيث يروي صلاح السعدني أحداث الماضي لحفيده، ليُصبح الحفيد نفسه شاهداً ناقلاً للتجربة إلى الأجيال التالية، في توازٍ مع فكرة أن الأرض تُنتزع ثم تُسترد، وأن الذاكرة الجمعية تحفظ هذه الدروس وتبثها عبر الأجيال.
وبينما تتخلل العمل تفاصيل وفرعيات درامية متنوعة، فإن البنية الأساسية تظل مرسومة حول هذه الفكرة المحورية: الأرض، الشرعية، والصراع على البقاء والهوية.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |