صراع وصفقات وضياع شعب

محمد بسام العمري
2025 / 9 / 16

في عتمة السياسة حيث تُحاك المؤامرات خلف الأبواب المغلقة، وحيث تُباع الأوطان على طاولات المفاوضات كما تُباع التحف النادرة في أسواق السماسرة، يعود الحديث مجددًا عن غزة، تلك البقعة الصغيرة التي تفيض بالألم، والدم، والصمود. في قلب العاصفة، يقف الفلسطيني، لا كشاهد على مصيره، بل كضحية دائمة لصراع لم يكن يومًا من اختياره. بين مخططات الاستيلاء ومشاريع التهجير، وبين تصريحات ترامب التي تفوح برائحة الامتلاك والصفقات، وأحلام نتنياهو التي تستند على أنقاض شعب، تتبدد ملامح الحقيقة، وتبقى غزة مجرد ورقة تُتداول بين الأيادي الجشعة.
ترامب، رجل الصفقات، لا رجل المبادئ.
في مقابلة تلفزيونية، أعلن بفخر أن الفلسطينيين لن يكون لهم حق العودة إلى غزة، وكأنها قطعة أرضٍ مجهولة المالك، تنتظر مشترٍ جديدًا. يدّعي أنه سيبني لهم مساكن أفضل، وكأن الوطن مجرد جدران وسقف، لا ذاكرة، ولا هوية، ولا روح تسكن بين شوارعه الضيقة. يشير إلى غزة وكأنها مشروع استثماري قيد التطوير، يخطط "لشرائها"، ومن ثم "إعادة إعمارها"، لكن تحت مظلة أمريكية، وبأيدٍ تتحكم بها واشنطن. أما الفلسطيني، فهو في نظره مجرد رقم بلا جذور، بلا ماضٍ، بلا حقٍّ في تقرير المصير.
وفيما كان ترامب يتحدث عن "شراء غزة" وكأنها بضاعة معروضة للمزاد، جاء الرد الفلسطيني حادًا، قويًا كالسيف، مليئًا بالرفض والتحدي. حماس، وعلى لسان قادتها، أرسلت رسائلها الواضحة: "غزة ليست للبيع، ليست عقارًا يُساوم عليه السماسرة، وليست بقعة تُفرغ من شعبها وتُملأ بأوهام جديدة." كيف لشعبٍ خُلق من نسيج النضال أن يبيع أرضًا سُقيت بدمائه؟ كيف لمن حمل وجع الوطن على كتفيه أن يُفرط فيه كأنه حقيبة سفر؟
وفي موسكو، حيث تُراقب العروش الأحداث بصمت المنتظر، يتحدث الكرملين عن الحاجة إلى "تفاصيل أكثر" حول خطة ترامب.
هل ينتظر الروس تسعيرة البيع؟ أم أنهم يترقبون الدور الذي سيلعبونه في اللعبة الجديدة؟ في العلن، يتحدثون عن قرارات مجلس الأمن وحقوق الفلسطينيين، لكن في الخفاء، السياسة لا تعرف لغة المبادئ، بل تعرف لغة المصالح وحدها.
أما في تل أبيب، حيث يقف نتنياهو وسط أروقة السلطة، يرى في مخطط ترامب "نهجًا ثوريًا" يستحق الإشادة، رؤية جديدة، كما يسميها، تضمن أن غزة لن تشكّل خطرًا على إسرائيل مجددًا. يقول ذلك وكأن غزة لم تكن يومًا تحت قصف طائراته، وكأنها لم تتحول إلى أنقاض بفعل حصاره وحروبه المتواصلة.
يرى في كلام ترامب فرصة ذهبية، يعيد ترتيب الأوراق، يوسّع نفوذه، ويفرض وقائع جديدة على الأرض.
وفي القاهرة، حيث التاريخ لا يُنسى، وحيث الجغرافيا تُحتم على مصر أن تكون شاهدة على مجريات الأحداث، يأتي الرد على لسان الخارجية المصرية.
"ادعاءات وتضليل"، هكذا وصفت تصريحات نتنياهو عن معبر رفح، مؤكدين أن مصر لن تكون جزءًا من أي مخطط لتهجير الفلسطينيين.
لكن ماذا بعد التصريحات؟
هل يُكتب لهذا الصراع أن يستمر في دوامة الرفض دون حلول؟
هل تبقى غزة معلّقة بين الأيادي المتنازعة، كلٌّ يحاول رسم مستقبلها كما يشاء؟
في هذا المشهد الرمادي، يقف الفلسطيني وحده، ممزقًا بين مخططات لا تنتهي، وبين معاناة لا تعرف الرحمة.
كل تصريح جديد يقتطع جزءًا من مصيره، كل خطةٍ تقترحها القوى الكبرى، تجعله أكثر غربة في أرضه، وأكثر اقترابًا من اللاشيء.
لكن، رغم هذا الظلام، تبقى الحقيقة الوحيدة أن غزة ليست للبيع، وليست مشروعًا استثماريًا، وليست رقعة شطرنج يتحكم بها أصحاب القرار.
غزة، التي عاشت تحت الحصار، والتي قاومت الحروب، والتي صمدت حين أراد العالم أن يطوي صفحتها، ستبقى رغم كل شيء.
لأن الشعوب لا تُباد بالصفقات، ولا تُمحى بالمفاوضات، ولا تموت رغم الألم.