مناف طلاس وإحياء القرار 2254.. بداية واقعية أم وهم جديد؟

ضيا اسكندر
2025 / 9 / 16

بين ارتباك الداخل وتشابك الأجندات الإقليمية، عاد القرار 2254 إلى دائرة الضوء مجدداً؛ أولاً عبر بيان مجلس الأمن الدولي في منتصف آب 2025، ثم عبر بيان جامعة الدول العربية مطلع أيلول، وكلاهما أعاد التأكيد على أنه الإطار الأوحد لبدء انتقال سياسي في سوريا.
ومع تجدد هذه الدعوات، برز من باريس اسم مناف طلاس، مقدّماً رؤية تحاول كسر ثنائية السلطة والمعارضة وفتح طريق ثالث يملأ الفراغ الذي خلّفه انسداد المسارات السابقة.

ظهور طلاس في معهد الدراسات السياسية "سيانس بو" لم يكن منفصلاً عن السياق، بل جاء متناغماً مع تحولات في المزاج الدولي. فالقرار الأممي الذي ظل مجمداً لسنوات يتضمن بنوداً واضحة: دستور جديد، وهيئة حكم انتقالية، وانتخابات تحت إشراف دولي، غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في النصوص، بل في القدرة على ترجمتها إلى واقع سياسي قابل للحياة.

هنا يطل العميد المنشق بخلفيته العسكرية وعلاقاته الدولية، محاولاً تقديم نفسه كجسر بين من تبقّى من مؤسسات الدولة والمعارضة التقليدية. وقد طرح في محاضرته تصوراً لمجلس عسكري انتقالي يتولى مهمة إعادة بناء الجيش على أسس وطنية علمانية، ويؤمّن المرحلة الانتقالية دون أن يعسكرها. كما شدد على أهمية استعادة السوريين من دول الجوار وإشراك المغتربين في عملية إعادة الإعمار، في رؤية تحاول تجاوز الانتماءات الضيقة نحو مشروع وطني جامع.

اللافت في خطابه كان رفضه للإسلام السياسي ودعوته إلى نموذج ديني معتدل ينسجم مع الهوية السورية التاريخية ويعيد الاعتبار للمواطنة كقاعدة للانتماء. طرحٌ يفتح الباب أمام إعادة تعريف الوطنية السورية، ويمنح فرصة لتجاوز الاستقطاب الذي مزق النسيج الاجتماعي خلال الحرب.

ومع انسداد الأفق أمام الصيغ التقليدية، يطلّ ظهور طلاس كمؤشر على بحث دولي وإقليمي عن صيغة جديدة تعيد تشغيل القرار 2254 بأدوات غير مألوفة. فالمسار المطروح لا تقوده المعارضة المرهَقة ولا تهيمن عليه سلطة الأمر الواقع، بل قد يتشكل من شخصيات من داخل الدولة السابقة، منشقين، ومجتمع مدني، مع إمكانية إشراك بعض رموز السلطة إذا قبلوا بشروط المرحلة الانتقالية. نجاح مثل هذا المسار لن يتوقف على التوازنات الداخلية وحدها، بل على دعم دولي وإقليمي قادر على توفير الضمانات.

لكن الطريق محفوف بالتحديات، فسوريا اليوم ساحة تتقاطع فيها مصالح متعارضة. فروسيا تسعى لضمان نفوذها العسكري والاقتصادي، والولايات المتحدة تركز على أمن حلفائها وفي مقدمتهم "إسرائيل"، بينما ترى تركيا في الشمال السوري امتداداً لأمنها القومي، وتسعى تل أبيب إلى إبقاء سوريا ضعيفة ومجزأة، أما الدول العربية، فتنظر إلى الملف من زاوية إعادة سوريا إلى الحاضنة العربية، ولكن وفق شروط لا تتعارض مع مصالحها الاستراتيجية.

هذا التباين يجعل من الصعب تصور توافق سريع على تنفيذ القرار 2254. ومع ذلك، فإن إدراك هذه القوى أن استمرار الأزمة يهدد استقرار المنطقة برمّتها، قد يدفعها إلى البحث عن صيغة وسطية توازن بين مصالحها، ولو جزئياً، لتجنّب انهيار الدولة السورية بالكامل.

وفي خضم هذه التحولات، يبرز سؤال لم يُطرح بعد: هل انتهى دور أحمد الشرع، الأمر الذي دفع القوى التي زرعته في السلطة إلى البحث عن بديل أكثر قابلية للتوظيف؟ الشرع، الذي أدّى دوراً وظيفياً بامتياز، لم يتلكأ في تنفيذ ما طُلب منه، لكنه لم ينجح في فرض نفسه كقائد انتقالي أو كواجهة تفاوضية ذات وزن.
ومع تصاعد الدعوات لتطبيق القرار 2254، يبدو أن الدول الراعية بدأت تعيد النظر في أدواتها، فلم يعد يكفي وجود منفّذ مطيع، بل شخصية قادرة على بناء جسور وتحظى بقبول نسبي وخطاب وطني جامع.

من هذه الزاوية، قد يكون ظهور طلاس مؤشراً على تحول في الرؤية الدولية: من إدارة الأزمة إلى محاولة هندسة الخروج منها. ليس بوصفه بديلاً فردياً، بل كجزء من بحث أوسع عن مسار جديد يجمع بين متطلبات القرار الأممي وضرورات الواقع السوري.

في النهاية، قد يشكل ظهور طلاس إشارة إلى أن سوريا بدأت تكتب فصلها الانتقالي، لكن هذا الفصل لن يكتمل إلا إذا امتلك السوريون أنفسهم زمام المبادرة، بدعم وضمانات دولية حقيقية. وما بين بداية واقعية ووهم جديد، ستظل الإجابة معلقة على قدرة السوريين على الإمساك بمصيرهم، قبل أن تبتلعه صفقات القوى الكبرى.