|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
علي جاسم ياسين
2025 / 9 / 16
إذا جئت بأحد المسلمين المتشدّدين بدليل علمي يخالف رأيه، شحذ لسانه ليقول كافر، زنديق، عميل للغرب. وكأن لسان حاله يقول: نحن أهل العلم… بشرط أن يكون العلم مطابقا لمخيّلتي
ابن رشد: الفيلسوف الذي كفّرناه ثم ورّثناه لأوروبا
ابن رشد، فيلسوف الأندلس، كتب عن العقل والمنطق، ودافع عن فكرة أن الشرع لا يتعارض مع الحكمة. فماذا كان جزاؤه؟ نُفي من قرطبة، وأُحرقت كتبه في الساحات، ووُصف بالزنديق. أنّ أوروبا التقطت كتبه، ترجمتها، وأسسّت بها العقلانية الحديثة. أما نحن، فقد اكتفينا بإضافة اسمه إلى لائحة المشبوهين. واليوم، تجد البعض يفتخر به في المؤتمرات الدولية، ناسياً أنّ أجداده كانوا أوّل من أشعل النار في كتبه.
ابن سينا: الطبيب الذي عالج أوروبا وأقلق الفقهاء
القانون في الطب ظل المرجع الأساسي في جامعات أوروبا حتى القرن السابع عشر. بينما في الشرق الإسلامي، كان صاحبه متهماً في عقيدته: فيلسوف ضال، مشكوك في دينه. المفارقة: نحن الذين رفضناه حيًا، لكننا نرفع رأسنا باسمه ميتا. أوروبا أخذت منه العلم، ونحن أخذنا منه تهمة الكفر.
الفارابي: صاحب المدينة الفاضلة الذي اتُّهم بالضلال
الفارابي حلم بمدينة تقوم على العقل والعدل، فاتهمه الفقهاء بأنه مبتدع. لعلهم ظنوا أنّ مجرد التفكير في عدالة المجتمع تهديد مباشر لمكانتهم. المفارقة أننا نلعن اليوم الفارابي ونحتفي في الوقت نفسه بيوتوبيا الغرب!
البيروني: الرجل الذي سبق عصره… لكننا تجاهلناه
في القرن الحادي عشر، حسب البيروني محيط الأرض بدقة مذهلة، وكتب عن دورانها حول محورها. بينما عندنا، لم يُمنح المكانة التي يستحقها. أوروبا احتضنت أفكاره، ونحن لم نحتضن حتى سيرته.
ابن الشاطر: الفلكي الذي ألهم كوبرنيكوس
ابن الشاطر الدمشقي قدّم نموذجًا رياضيًا ألغى تعقيدات بطليموس وفسّر حركات الكواكب بدقة. لم يقل إن الشمس مركز الكون، لكنه أوجد المعادلات التي ألهمت كوبرنيكوس بعده بقرن ونصف. النتيجة: أوروبا صنعت ثورة علمية، بينما نحن بالكاد نتذكر أن ابن الشاطر مرّ من هنا.
مفارقة الحضارة
1. نفتخر بما كفّرناه: نلعن الفلاسفة والعلماء في كتب المدارس، ثم نتباهى بهم في المؤتمرات.
2. نحتقر المنهج ونقدّس النتيجة: التفكير العقلي مرفوض، لكن نتائجه مدعاة للفخر.
3. نحن الورثة الكسالى: مثل ابنٍ عاق يتباهى بجدّه الغني، بينما يعيش عالة على الآخرين.
سخرية
1. لو عاد ابن رشد اليوم ليقول: العقل لا يتعارض مع الشرع، صُنِّف مباشرةً كزنديق في وسائل الإعلام وواجه حملة شرسة لتشويه سمعته.
2. ولو أتى ابن سينا ليصف دواءً حديثا، لسألوه أولا: هل توضأت قبل أن تكتب الوصفة؟
3. ولو جاء الفارابي بخطته للمدينة الفاضلة، لردوا عليه: مدينتنا كاملة أصلا، نحن خير أمة، فلا تزعجنا.
4. ولو ظهر ابن الشاطر بمعادلاته، لقيل له: دعك من الحسابات، المهم الإيمان بأن الأرض ثابتة كما قال فلان!
الخاتمة: حضارة الرماد
الحقيقة أننا لا نفتخر بالحضارة كما كانت، بل كما نحب أن نتخيّلها: حضارة بلا تكفير ولا إحراق كتب. نعرض على العالم صورة مثالية، بينما نحن أنفسنا طاردنا الفلاسفة وأحرقنا مؤلفاتهم. أوروبا ورثت الجوهر: العقل، البرهان، العلم. ونحن ورثنا الرماد… ثم تباهينا بأن الرماد ملكنا.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |