الزمن ذلك اللغز المحير

محمد رياض اسماعيل
2025 / 9 / 7

أيها الزمن الذي أغوص فيه دون إرادة ولا قدرة، انت لي بين قافلة الأحياء، إرادة وقَدر، وانت لي بين الأموات خلفية تبحث عن الحياة من داخل الموت والفناء.. ولا ينفيك أبداً إحساسي بالعبث، ان الحس بالعبث يولد انفجاراً في شرايين الأفق، كانفجار الشريان في عيون الخارج الى النور القوي بعد سنوات من الظلام الدامس.
وَلَئِن حملت نفسي، ومضيت الى خارج بوابة المدينة حيث يرقد معبد النساك ويستيقظ صباح النظام على ليل الفوضى والعبث، ورحت أجوب باحثاً عن الانسان المشرد، الانسان المعذب، وألم ُ أشلاءه هنا وهناك لأُفِهِمه حقيقة الكون في حتمية اللانهاية، وصراع الأشياء ولأحمله معي هناك حيث يتوسط المروج الخضراء محراب النساك، وأجراس تصوف الانسان ضد تعفن المجتمع المريض المتهالك على الملاذ .... ولنسجد معاً وبكل إيمان في معبد الشروق، كما تسجد الشمس لضياء النهار ساعة الغروب اعترافاً بالجميل، وحباً في اللقاء، وبين الشروق والغروب، الولادة والموت زمنٌ يسمى الحياة، او حياة زمن ..... ومهما يكن الوداع صعباً ففي اللقاء أمل، وكروان الليل يعشق في النهار ابتسامة الشروق.
ايها الزمن الذي يمتد دوني أدرك جيدا بان عمر الموت اطول من عمر الحياة، اقتطعت بضع عشرات من السنين في زمن يمتد الى ثلاثة ملايين ونيف من السنين في قفصه لسجان يقبع خارج القفص، في كون لا متناهي، يحاكيني بطاقة الترددات التي يرسلها لنا، لماذا نتعذب في هذه الجنة الصغيرة التي نعتقل بها ثم تصدر بنا أمر الإعدام سلخا من الحياة. نعم الزمن محلول كيمائي نذوب فيه شيئا فشيئا الى ان ننسلخ من الحياة.. هل ابحث عبثا بتساؤلاتي؟
حين نمعن النظر في ميلودرامية الحياة والموت بالملاحظة الدقيقة، يبدو ان الحياة استمرار لفصائل البشر منذ ان وجدت الخليقة! ويبدو بان الزمن يقطع استمرارية حياة الانسان الى سلاسل بأداة الموت التي تمتلكه، اما الوعي الاجتماعي التراكمي للسلسلة يعمل بعكس الزمن فيخلد، لذلك فان اشكالنا وصفاتنا تتوارث عبر اجيال الاحفاد!، فيستمر اشكالنا في الضهور الى مسرح الحياة رغم موت ذاكرة العقل، لتتحول كورة معرفتها الى معين الوعي الاجتماعي السائد! كأن وجود الزمن ضروري لنبذ ملل الاستمرار في الحياة! الموت هو جزء او مرحلة من حياة مستمرة منذ ان وجدت فصائل البشر على كوكب الارض!! وإذا كان الزمن وجِد لوقاية البشر من الملل، فالذكريات الشخصية محكومة عليها بالإعدام.. والذاكرة تستمد معرفتها من معين الوعي العام البشري، ذلك الوعي الخالد الذي يترقى ويتجدد عبر الحقب الزمنية القادمة لينهل منها الأجيال..
عند الانطلاق الى كوكب الشمس، لا يتعاقب الليل والنهار عليها فلا وجود للامس واليوم وغدا! والفضاء اللامتناهي لا وجود لزمنه التاريخي، وبعكسه فان الفضاء محدود وليس لا متناهيا! فالزمن التاريخي الذي يعيش في ذاكرة العقل البشري له أمس واليوم وغدا ايضا.. لان ذلك محدد بتعاقب الليل والنهار، اظف الى ذلك تعاقب الاحداث أي حركة سلسلة الاحداث التي تعطي قالبا للزمن. القاسم المشترك بين الزمن ومخزون العقل من الصور الفكرية هو ان كليهما حركة سلسلة من احداث الامس واليوم وغدا. وليس للفضاء زمن، مادام لا متناهيا! أي اننا في الكرة الأرضية معتقلين بالزمن!! والعقل البشري الذي يخزن كل الصور الفكرية، تماما مثل الزمن له أمس واليوم وغدا، أي ان الزمن يساوي مخزون العقل، إذا كان الزمن خالدا بسبب استمرار حركة الاحداث فالعقل البشري خالد أيضا ولكن بأسلوب ثان، أي ان الصور الفكرية تتم توارثها من قبل المجتمع جيلا بعد الاخر مع التحديث والارتقاء، فلا تموت، بل تتجسد في الوعي العام، تنهل الأجيال منها، فهي خالدة كالزمن. وكما ذكرنا بان الاشكال البشرية والحواس لا تموت ايضا، بل تنتقل خلال وسيلة التكاثر.. فهي خالدة. ولكن الموت هو اللغز المخادع، جاءت لنبذ الملل نتيجة التشبع من التكرار. فالأرض سجن يعتقل فيه الانسان، وقضبان السجن هو الزمن! تأمل فكرة الحياة والموت في إطار فرض الزمن، وفهم برمجة خوارزميته، يبدو في النهاية اننا لا نموت بل نتكرر دون ذاكرة شخصية! لماذا نتكرر؟ نتكرر لنتعاظم ونرتقي فكرا، وصولا للكمال.. وماذا بعد ذلك؟؟