الوجودية اللادينية والتحيز اللاواعي - الجاثية

طلعت خيري
2025 / 9 / 4

رفضت الوجودية اللادينية ، التفاعل الفكري والروحي والإيماني مع آيات السموات والأرض ، ومع وقوانين الطبيعة والظواهر المتجددة ، مصرة على عبثية الحياة وعدمية الماضي ، مما دفع التنزيل الى أخذ منحنى عقائدي جديد ، لتوضيح ماهية الساعة والبعث والنشور ، ولقد تبنى أحد منظري الوجودية اللادينية مشهد الحوار مع آيات الله ، رافضا قوانين الطبيعة والظواهر المتجددة ، واضعا اعتبارات المصالح السياسية والاقتصادية والأهواء الشخصية في مقدمة الحوار ، فأي فكر يتصدى لدعوة حق ، يخفي بين طياته أهداف سياسية مصدرها ، إما اعتقاد وثني ، وإما دين سياسي ، بغض النظر عن المسميات التي يطلقونها على توجهاتهم ، ملحد لا ديني وجودي ، فالوثنية والدين السياسي من أكثر الأفكار خوفا من الإيمان بالله واليوم الأخر ، علما ان التنزيل لم يذكر الجهة المراد تغيرها ، كما لم يذكر اسم المنظر ، لكن الخوف من الوعي المحطم لأعيب الرأسماليين والكهنة والأسياد والزعماء ورجال الدين ، دفع بهم الى تبني مشهد الحوار والمعارضة ، ولقد كذب منظّر الوجودية اللادينية بآيات الله مستكبرا ، رد الله عليه قائلا ويل لكل افاك أثيم ، يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا ، كأن لم يسمعها ، فبشره بعذاب اليم

وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ{7} يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ{8}

كل منظّر ديني وثني أو سياسي تدعمه أغلبية جماهيرية غير واعية ، فعند التغيرات الفكرية والثقافية يحاول إبقاء الشريحة على مستواها اللاواعي ، مع الحفاظ على المصالح السياسية والاقتصادية لتلك الشريحة ، متصديا للتغيرات الفكرية والثقافية بشتى الوسائل المتاحة ، مغيبا عقله ووعيه رغم استيقانه المطلق بحقيقة الأفكار والآيات وعلميتها ، ولقد غيب منظّر الوجودية اللادينية عقله ووعيه عن بآيات الله الدالة على خالق السماء والأرض والظواهر المتجددة ، والسبب ؟ لان الإقرار بها في مجتمع لا يؤمن بالله واليوم الأخر، يعني الخروج عن المنهاج السياسي للطائفة ، وبالتالي فقدان المكاسب السياسية والاقتصادية والسلطوية ، قال الله وإذا علم من آياتنا شيئا ، وصل إليه علم الآيات وقوانين الطبيعة والظواهر المتجددة ، اتخذها هزوا ، أولئك لهم عذاب مهين

وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئاً اتَّخَذَهَا هُزُواً أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ{9}

المكاسب والاقتصادية والمالية والمناصب والملذات الشخصية التي تقدمها الاعتقادات الوثنية والدين السياسي للتحيز اللاواعي ، وراء رفض التغير الفكري والعقائدي بكل إشكاله ، ولكن هذا لا يعفي عن المسائلة والاستجواب الأخروي ، لان التنزيل حذر الوجودية اللادينية من العواقب الاخروية ، حتى باتت على وعي كافي بالبعث والنشور ، فمن متطلبات العدالة ،توضيح ماهية الساعة قبل بلوغها ، ليكشف الله للتحيز اللاواعي بان المكاسب الدنيوية وملذات الحياة التي زينها الشيطان لأوليائه من دون الله ، لن تغني عنهم شيئا يوم القيامة ، قال الله من ورائهم جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ، ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء ، ولهم عذاب عظيم ، هذا هدى والذين كفروا بآيات ربهم ، عذاب من رجز اليم

مِن وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُم مَّا كَسَبُوا شَيْئاً وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ{10} هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مَّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ{11}

ولتحفيز الوعي العقلاني لدى الوجودية اللادينية ، انتقل التنزيل الى بعض تطبيقات قوانين الطبيعة المجددة للمادة ، كأمثلة للتغلب على فلسفة العبثية والدهرية ، قال الله واختلاف الليل والنهار وما انزل من السماء من رزق ، الرزق الأنشطة المعيشية المرتبطة بالمطر كالزراعة والثروة الحيوانية فأحيا به الأرض بعد موتها ، وتصريف الرياح تأثير حركة الرياح على المناخ والأمطار والسحب والنشاط الزراعي ، آيات لقوم يعقلون ، ثم أضاف التنزيل مسخرات أخرى تصب في صالح النشاط المعيشي للإنسان ، كالبحار التي يستغلها للسفر والتنقل ومصدر للرزق كالثروة السمكية والأحجار الكريمة قال الله ، الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك في بأمره ، ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون

اللَّهُ الَّذِي سخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ{12}

ولتحفيز الوعي العقلاني لدى الوجودية اللادينية ، انتقل التنزيل الى مسخرات سماوية وأرضية تعلب دور في تكامل الحياة على الأرض ، وان التنويه إليها له بعد عقائدي ، يساعد في التغلب على فلسفة عدمية الدهر وعبثية الوجود ، لافتا الانتباه الى دور السماء في حركة الشمس والقمر والكواكب ، وما ينجم عن حركتها الفلكية من اختلاف في الظواهر المناخية كالفصول الأربعة ، وما لها من تأثير مادي على مسخرات الأرض المجددة للحياة بالتكاثر والذري ، فما على الوجودية اللادينية إلا التفكير بجدية المسخرات للوصول الى الوعي العقلاني قال الله ، وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه ، ان في ذلك لآيات لقوم يتفكرون

وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ{13}

ما لا يقبل الشك ، ان قوانين الطبيعة والظواهر المادية المتجددة ومسخرات السماء والأرض أثرت على وعي الوجودية اللادينية ، مما دفع البعض منهم الى الإيمان بالله واليوم الأخر ، اخذين على محمل الجد التهديد والوعيد الدنيوي والأخروي ، أما الذين ليس لديهم الرغبة بالتغير العقائدي أنطوا على ذاتهم وملذاتهم تحت مبدأ عدمية الدهر ، أو الدهرية رافعين شعار نحيا ونموت وما يهلكنا إلا الدهر، تعرض مؤمنو الوجودية اللادينية الى مضايقات من قبل رافضي التغير العقائدي ، فقدم لهم التنزيل بعض التوصيات المهمة وفقا لما تطلبه تلك المراحل الراهنة ، قال الله ، قل يا محمد للذين امنوا يغفروا، يغفروا بمعنى يعفوا ويكفوا عن الذين لا يرجون أيام الله ، ليجزي قوما بما كانوا يكسبون ، ومن عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ، ثم الى ربكم ترجعون


قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُون أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كَانُوا يَكْسِبُونَ{14} مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ{15}

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي