|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
محيي الدين ابراهيم
2025 / 8 / 31
تعيش الساحة الثقافية في الوطن العربي، ومصر بوجه خاص، أزمة صامتة لكنها عميقة، تتمثل في غياب "الإداري المبدع". هذا الغياب لم يعد مجرد ملاحظة عابرة، بل تحول إلى ظاهرة أثرت بصورة مباشرة على مسار الثقافة العربية، وأدت إلى تراجعها خطوات واسعة إلى الخلف.
ففي كثير من المؤسسات الثقافية، يتصدر المشهد إداريون يجيدون لغة اللوائح والملفات، لكنهم يفتقرون إلى الرؤية التي تصنع حياة ثقافية متجددة. وعندما يغيب الإداري المبدع، يتحول النشاط الثقافي إلى مجرد إجراءات شكلية، بينما يبقى جوهر الإبداع معلقاً في الهامش.
من يتابع فعالياتنا ومهرجاناتنا الكثيرة، يلاحظ كيف تتصدر الصفوف الأولى أسماء تكررت حتى صارت مألوفة أكثر من اللازم، بينما المبدع الحقيقي الذي يملك مشروعاً فنياً أو فكرياً جديداً، لا يجد مكاناً يليق به، أو ربما يغيب تماماً. المشهد يبعث على التساؤل: كيف غاب أصحاب الرؤية، وبرز أصحاب الحضور الشكلي؟
لا يمكن إنكار أن غياب المبدع الحقيقي عن هذه الفعاليات ليس مجرد صدفة، بل نتيجة تراكمات إدارية وثقافية. فالمؤسسات في كثير من الأحيان تتعامل مع المبدع من زاوية "الصعوبة"، لأنه يحتاج إلى فضاء حر وقرارات مرنة واهتمام خاص، بينما الأسهل دائماً أن يُستبدل بمن يكتفي بالظهور والتكرار. وهنا تبرز المشكلة: الثقافة تتحول إلى واجهة احتفالية، بينما جوهرها يغيب.
وحين نسافر إلى الخارج، يتجسد هذا الخلل في صورة سؤال يطرحه الآخرون علينا: "أين أنتم بين العالم؟". السؤال ليس استنكارياً بقدر ما هو إشارة إلى غياب الحضور الثقافي العربي في المشهد العالمي. العالم ينتظر مساهمة جديدة من الشرق، لكنه لا يجدها. وهذا الغياب يجعلنا نشعر أن ما نخسره ليس فقط مكانة في المهرجانات الدولية أو أسواق النشر، بل نخسر صورة أوسع عن أنفسنا أمام الآخر.
الثقافة في أصلها هي الرئة التي تتنفس بها الشعوب، وهي جسر التواصل مع الحضارات الأخرى. لكن هذه الرئة بحاجة إلى جهاز إداري سليم يمنحها الهواء، لا أن يضغط عليها. فالإدارة هنا ليست مجرد تسيير عمل، بل هي رؤية ومبادرة. والإداري المبدع هو الذي يفتح أبواب المؤسسات أمام الطاقات الجديدة، لا الذي يغلقها أو يكتفي بتكرار الأسماء ذاتها.
إن الحاجة اليوم ملحّة لإعادة النظر في مفهوم "الإدارة الثقافية". فالمسؤول الثقافي الناجح ليس فقط من ينظم المؤتمرات ويجهز الجداول، بل من يطرح أسئلة جديدة ويمكّن المبدعين من تحقيق مشروعاتهم. هو الذي يفهم أن قيمة منصبه تقاس بما يضيفه إلى المشهد، لا بما يملكه من صلاحيات أو أختام.
ولعل أخطر ما يواجه الثقافة العربية اليوم ليس ندرة المبدعين، فالمبدعون موجودون وكثيرون، وإنما ندرة من يفسح لهم المجال ويدرك أهميتهم. غياب الإداري المبدع يعني ببساطة أن الثقافة تتحرك بلا بوصلة، وأن حضورها العالمي يظل ضعيفاً مهما كثرت المهرجانات والاحتفالات.
من هنا يصبح لزاماً أن نعيد ترتيب الأولويات: أن تكون المؤسسات الثقافية منصات لدعم الإبداع لا لإعادة تدوير الأسماء، وأن يكون الهدف هو صناعة مشهد ثقافي حيّ، يعبر عن طاقات المجتمع وتطلعاته، لا مجرد تكرار مشاهد احتفالية. عندها فقط يمكن أن نعيد الإجابة عن السؤال الذي يطرحه الآخرون: "أين أنتم بين العالم؟".
الإجابة لن تأتي عبر الخطب ولا عبر كثرة الفعاليات، بل عبر عمل جاد يربط بين المبدع والإداري المبدع، بين الفكرة والقدرة على تنفيذها. وإذا تحقق هذا التوازن، فإن الثقافة العربية لن تعود غائبة، بل ستجد مكانها الطبيعي في المشهد العالمي، كصوت أصيل يملك ما يقدمه ويستطيع أن يسمع الآخرين صوته بوضوح.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |