|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
محيي الدين ابراهيم
2025 / 8 / 30
في كل عصر، يطلّ السؤال ذاته برأسه: هل نحن وحدنا في هذا الكون؟ أم أن هناك قوى خفية، تراقبنا من وراء ستار، وتقتحم حياتنا لحظة غفلة؟ منذ قرون طويلة، انشغلت الفلسفة الغربية بوجود الله، لكن الأرواح والشياطين والظواهر الخارقة ظلّت تتسلل في الهامش، عصيّة على التفسير، باقية في وجدان البشر كأثرٍ غامض لا يمحوه العقل.
قبل خمسمئة عام كان الإلحاد ضربًا من الاستحالة. كان العالم مسكونًا بالقداسة، والسماء أقرب إلى الأرواح من النجوم. أما اليوم، وقد ضعفت قبضة الدين في الغرب، لم يتلاشَ هذا الإحساس الغامض بوجود ما يتجاوز الطبيعة. على العكس، تتكاثر الشهادات التي تروي لقاءات مع أشباح أو ملائكة أو قوى مجهولة، وكأن الإنسان الحديث – رغم علمه – لم يستطع أن يقطع حبله الصُري مع الغيب.
منطق يلتقي بالسحر:
الفيلسوف الأمريكي تشارلز بيرس قدّم ما سماه "الاختطاف": أن نفترض كائنًا خفيًا لتفسير ظاهرة غريبة لا نجد لها جوابًا. وهكذا وُلدت فرضية الأرواح: قوى غير مرئية، تشبه الإنسان في وعيها، لكنها أقوى منه وأقدر على اختراق حدوده. ليست هذه الفكرة أقل منطقية – في زمنها – من افتراض "الجراثيم" التي لم يرها أحد، أو "الجينات" التي لم تُكتشف بعد.
حتى المؤرخون القدامى تحدثوا عن طقوس لإثبات خروج الشيطان من الجسد، كقلب حوض ماء أمام الناس. أليس في ذلك صورة أولية لبرهان علمي؟ لا يختلف – في منطقه – عن تجربة العلماء حين أثبتوا وجود "جسيم باريون" في الفيزياء من خلال أثره على لوح فوتوغرافي، دون أن يروه مباشرة.
الساحرات والظلال:
العصور الوسطى زاخرة بحكايات السحرة والساحرات. بعض القصص يبدو ساذجًا: طفل يُنقل من مهده إلى زاوية الغرفة في لحظة، أو رجل يختفي فجأة أمام رفاقه في الحانة. لكن ثمة حوادث شهدها العشرات معًا، وخلّفت أثرًا يصعب تجاهله. كتاب مطرقة الساحرات جمع أكثر من سبعين رواية كهذه، بين الطرافة والرعب، بين الوهم والحقيقة.
ولم تتوقف الحكايات عند الماضي. ففي ألمانيا عام 1947، روى كاهن أنجليكاني مشهدًا يبعث القشعريرة: أصوات غامرة، أشكال سوداء تتحرك في الغابة، مقاومة روحية كأنها معركة غير مرئية بين قوى النور والظلام. قال الشهود إن الهواء تغيّر فجأة، كما لو أن عاصفة جهنمية انقشعت. ما بين العلم والخيال، تركت هذه الحادثة أثرها في أرشيف أكسفورد، شاهدة على أن الغيب لا يزال يتسلل إلى حاضرنا.
العلم… والدين المنفي:
ومع ذلك، فإن الجامعات الغربية ظلت متشددة. الفيلسوف ريتشارد رورتي أعلن في الستينيات أن "نظرية الشياطين" قد شُطبت نهائيًا من الفكر الحديث، تمامًا كما شُطبت فكرة "الأثير". لكن، إذا كانت العلوم الاجتماعية تبني نفسها على فرضيات مثل الأمم والأعراق، فلماذا لا يُمنح الدين – ولو نظريًا – حق افتراض الأرواح كعوامل تفسيرية؟
في المقابل، تبقى المعضلة أن هذه المعتقدات قد تُستغل أبشع استغلال. في أفريقيا وأماكن أخرى، تتحول تهمة "السحر" إلى وسيلة لقمع النساء أو تصفية الخصوم. هنا يتبدى الوجه المظلم: حين يصبح الغيب مطية للسلطة، ويغدو الاتهام حكمًا بالموت.
تجارب الموت والحياة الأخرى:
رغم ذلك، هناك شهادات يصعب إنكارها. ملايين البشر في العالم يروون تجارب "الاقتراب من الموت": خروج الروح من الجسد، مراجعة شريط الحياة، لقاء كائن من نور يحيطهم بالسكينة. 4 إلى 5 بالمئة من الناس – في البيئات التي تخدمها التكنولوجيا الطبية – مرّوا بهذه التجربة، وفق إحصاءات حديثة. أليست هذه الشهادات مؤشراً إلى أن وراء الموت حياة أخرى، أو على الأقل بعدًا لم تدركه حواسنا بعد؟
ما بين الظل والضياء:
بين العقل والخيال، بين التجربة والأسطورة، تظل الأرواح والشياطين ضيوفًا لا يُستأذن حضورها. ربما هي أوهام صاغتها مخاوف البشر، وربما هي إشارات حقيقية لعالم يتجاوز إدراكنا. الفلسفة تطلب البرهان، والدين يكتفي بالإيمان، أما الإنسان فيقف بينهما، مأخوذًا بسؤال لا يشيخ: هل هناك من يراقبنا في صمت، من وراء الحجاب؟
المصدر:
دراسة للبروفيسور فيليب هـ. ويبي عن الشياطين والظواهر الخارقة، تجمع بين الفلسفة والدين والعلم.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |