نبيّ الخمرة ونقّاد الوهم: تفكيك قصة (دمية راقصة) للكاتب عبد الكريم حمزة عباس

داود السلمان
2025 / 8 / 24

قصة "دمية راقصة" للكاتب عبد الكريم حمزة عباس، التي نشرها على صفحته الشخصية في الفيس بوك، تُعد نصًا ساخرًا رمزيًا بامتياز، يفضح المنظومة الثقافية المعاصرة، ويعري العلاقة المتشابكة بين الأدب، النقاد، الإعلام، الجوائز، والسلطة الرمزية للكتابة. بأسلوب ساخر وموجع، يكشف الكاتب زيف المشهد الثقافي، اليوم، حين يُصنَع "الكاتب" لا لأنه يكتب، بل لأنه يلائم تصورات ثقافية استهلاكية، أو يحقق صدمة إعلامية آنية.
القصة تدور حول شخصية - زغير السكير- ، شخصية شعبية، هامشية، لا تملك من أدوات الكتابة شيئًا، لكنها تتحول إلى رمز أدبي بعد أن كتب سطرًا عفويًا مشوهًا تحت تأثير الخمر على كيس قنينة، قال فيه: "المدينة مثل نعش فارغ". هذه العبارة، رغم بساطتها، صارت مفتاحًا لتضخم زائف في المشهد الثقافي، إذ يُعيد النص إنتاج ميكانيزمات (آليات عمل) التلقي والتأويل المغشوشة، حين يتلقفها صحفي تعوّد على الصحف الرديئة، والمواقع الفيسبوكية المجهولة المصدر، فيحمّلها ما لا تحتمل من رمزية وتأويل، ويقدّمها إلى مؤسسة ثقافية بائسة تبحث عن أي مادة يمكن تسويقها.
التحول المفاجئ لزغير إلى "أيقونة أدبية"، لا ينبع من قيمة النص ذاته، بل من قدرة الآخرين على اختراع قيمة لا وجود لها أصلًا، مما يُبرز نقدًا لاذعًا لما يُعرف بنظريات "موت المؤلف" و"القراءة المفتوحة"، حين تستخدم كغطاء لتزييف الوعي الجمالي والمعرفي. فالنقاد، ومنظّرو ما بعد الحداثة، يسرعون إلى تبني النص والجملة، ويحولون زغير إلى نص متجوّل بحد ذاته، محمّل بالإسقاطات والرمزيات، بينما هو نفسه يصرّح بسخرية: "ما بعد الحداثة؟ أنا بالكاد أتذكر ما بعد آخر قنينة" – قوطية خمر رخيصة.
وهنا يكمن جوهر المفارقة: زغير لا يدّعي شيئًا، لكنه يُستخدم كأداة لإيهام الآخر بوجود شيء. الجمهور، الصحافة، النقاد، لجان الجوائز – جميعهم يشتركون في المسرحية، يصفقون لما لا يُفهم، ويفسّرون ما لم يُقصد، ويفسحون الطريق لمزيفين أو سذج، طالما يلبّون حاجة السوق الثقافي لصورة الصدمة. وما أكثرهم اليوم، للأسف الشديد، بسبب الفيسبوك وغيره، من المنصات.
زغير في النهاية لا يدّعي البطولة ولا يحتفل بالتحوّل، بل يفضح اللعبة كاملة بقوله: "إنهم بحاجة إلى دمية، وأنا أجيد الرقص على الحبال." ويضيف في قفلة مريرة: "كلنا مشتركون في اللعبة… بعضنا يبيع الأدب في لجان الجوائز، وبعضنا يشتريه بتصفيق".
رمزية القصة تظهر بوضوح من خلال زغير، الذي يجمع بين الهامشية والبراءة والعبث، ويتحول إلى مرآة للنظام الثقافي المأزوم. أما الجملة التي كتبها، فتمثل رمزًا للعبث المعرفي والانفصال بين القول الحقيقي والتأويل المتضخم. النقاد والصحافة والجوائز تمثل جميعها المؤسسات التي تسوّق الوهم وتعيد إنتاج القيمة زيفًا لا صدقًا. أما الزوجة، خالدية، فهي الضمير الواقعي، الوحيدة التي ما زالت ترى الحقيقة العارية وتطرح السؤال الإنساني العميق: "هل تكتب لأنك حزين؟".
القصة محكمة البناء، تعتمد على تصاعد درامي يبدأ من لحظة تافهة (كتابة جملة على كيس خمر) لينتهي بقفلة عميقة تسخر من الكل: الكاتب، المؤسسة، القارئ، المتلقي، والوسط الثقافي برمّته. وتتميز اللغة بالاقتصاد والحدة وتوظيف المفارقة والسخرية السوداء، مما يجعل النص ينتمي بجدارة إلى أدب ما بعد السخرية.
قصة "دمية راقصة" ليست مجرد حكاية طريفة عن شخص ساذج صار كاتبًا، بل هي اتهام كامل لمشهد ثقافي مزيّف، تحكمه المصالح، وتغذّيه الشعبوية، وتضخمه الأوهام. الكاتب عبد الكريم حمزة عباس يُعلن هنا – عبر شخصية زغير – موت القيمة الحقيقية للأدب، وصعود الأدب المُفبرك، لا بوصفه إبداعًا، بل دمية راقصة على حبال التصفيق.
القصة، حقيقة، فيها مغزى كبير، نقد لاذع، وفضح لكثير من الاسماء الفارغة، التي ملئت بضجيجها الآفاق. زغير موجود هنا بين صفوفنا، لن نستطيع الخلاص منه.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي