|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

داود السلمان
2025 / 8 / 21
الحديث عن القيود الذاتية التي تعيق المثقف وتحد من قدرته على أداء دوره الحقيقي، يفتح الباب واسعا لتفكيك صورة نمطية تعتبر المثقف طليق الفكر وصاحب موقف، في حين أن التجربة تشير إلى أن الكثير من المثقفين يحملون في داخلهم قيودًا غير مرئية، لكنها أشد تأثيرًا من القيود المفروضة عليهم من الخارج، الأمر الذي يدعونا أن نتقد المثقف بشدّة.
وأنا لديّ تجربة صارخة في هذا الاطار، سأتطرق اليها في هذا المبحث، بعد أن أوضح هذا المفهوم "هل المثقف يصنع قيوده؟".
وأعتقد جازما، بأن القيود الذاتية للمثقف – موجودة - ولا تولد من فراغ، بل هي نتاج بيئة معقدة تشكّلت عبر مراحل متعددة. فالتنشئة الأولى، والتعليم، والثقافة السائدة، والخوف من العزلة أو من فقدان الامتياز، كلها عوامل تساهم في تشكيل بنية داخلية لدى المثقف تجعله في كثير من الأحيان أسيرًا لرغبة في القبول، أو الخوف من الرفض، أو الحاجة إلى البقاء ضمن دائرة الأمان الاجتماعي والثقافي. لهذا، فإن المثقف قد يُمارس رقابة على ذاته تفوق تلك التي تمارسها أي سلطة خارجية، فيُجنّب نفسه المواقف الحادة، ويتجنّب الاصطدام، ويتخذ الحياد موقفًا، ليس عن قناعة، بل عن تحفظ خفي.
وقد لاحظت الكثير من المثقفين، رغم امتلاكهم أدوات المعرفة، ووعيهم بخلل الواقع، يترددون في تسمية الأشياء بأسمائها، أو يختبئون خلف لغة مراوغة وغامضة، ظنًا منهم أن الغموض يحفظ لهم مكانة "النخبة"، في حين أن ذلك في جوهره يعكس تردّدًا عميقًا نابعًا من داخلهم. هذا التردد، وهذه المساومة الداخلية، هما من أبرز مظاهر القيد الذاتي. إن المثقف الذي يخشى خسارة جمهوره أو سمعته أو فرصه المستقبلية، يصبح رهينة لحسابات شخصية تُعيق أداءه الوظيفي كمثقف، أي كصوت نقدي، مستقل، وغير خائف من تبعات الصدق.
والآن أشير إلى التجربة الشخصية التي لاحظتها بنفسي، وذلك من خلال عملي في الكثير من الصحف والمجلات المحلية، أن بعض المثقفين من الذين عملوا معي كمحررين، كانوا يضمرون في أنفسهم بعض القضايا، التي تخص الثقافة، بشكل عام، يخشون من طرحها أو تناولها، من خلال المقالات أو التحليلات، وحين أسألهم عن ذلك، خارج العمل في المؤسسة، كانوا يجيبون بأنهم لا يستطيعون، رغم كون بعض تلك المؤسسات كانت تعطيهم الضوء الأخضر في الكتابة.
واللافت أن بعض المثقفين الذين يبدون في الظاهر متحررين، يخضعون داخليًا لقوالب فكرية لا يقلّ سجنها قسوة عن سجون الأنظمة. فالمثقف الذي ينتمي إلى إيديولوجيا ما، قد يقمع داخليًا أي صوت يناقض قناعاته، ليس بدافع البحث عن الحقيقة، بل بدافع الحفاظ على صورة "المثقف المبدئي". وهكذا يصبح المثقف، باسم المبادئ، أسيرًا لفكر مغلق، لا يتسامح مع النقد الذاتي، ولا يقبل أن يرى تعقيد الواقع خارج حدوده النظرية. هذا أيضًا نوع من القيد الذاتي، يتخفى وراء خطاب المبدئية، لكنه في جوهره رفض للتحرر الحقيقي من الأفكار الجاهزة.
ومن الزوايا التي نادرًا ما تُناقش عند الحديث عن المثقف، تلك المتعلقة بتكوينه النفسي. فالمثقف كائن يعيش داخليًا صراعًا مستمرًا بين الذات العامة والذات الفردية، بين ما يُنتظر منه وما يشعر به، بين صورته في أعين الآخرين وبين حقيقته. هذا الصراع قد يدفعه أحيانًا إلى نوع من الانفصال أو الازدواجية، حيث يظهر خطابًا صلبًا في العلن، لكنه يتراجع داخليًا، أو يشعر بالذنب، أو يعاني من الانهاك الوجودي. إن الخوف من السقوط، من الخطأ، من أن يُكتشف أنه لا يعرف كل شيء، كلها مشاعر تدفع المثقف إلى تبني خطاب مثالي قد يبدو رصينًا، لكنه في حقيقته محاولة لتعويض هشاشة داخلية، أو لتغطية عدم يقين لا يُفصح عنه.
ولا يمكن في هذا السياق تجاهل الدور الذي يلعبه المجتمع في تكريس هذه القيود الداخلية. فالمجتمع الذي يضع المثقف في خانة "العارف الكامل" أو "المعلّم الأخلاقي"، يحمّله مسؤولية تفوق طاقته البشرية، ويجعل أي تراجع أو اختلاف في رأيه بمثابة خيانة. هذا الضغط الاجتماعي غير المرئي يخلق لدى المثقف رقابة داخلية، تدفعه إلى الصمت أو إلى المراوغة، أو إلى التماهي مع ما يُنتظر منه لا مع ما يؤمن به فعليًا. وهنا تبرز إشكالية جوهرية: كيف يمكن للمثقف أن يكون حرًا، إذا كانت ذاته مثقلة بانتظارات الآخرين، ومكبلة بالخوف من فقدان رمزيته أو شرعيته؟.
إن مواجهة القيود الذاتية لا تتم بالهروب منها، ولا بإنكارها، بل أولاً بالاعتراف بها. فالمثقف الذي يتأمل ذاته بصدق، ويعترف بحواجزه النفسية، هو أقرب إلى الصدق من مثقف يصرّ على صورة مزيفة للثبات والصلابة. النقد الذاتي، والقدرة على التشكيك في الذات، ومراجعة المواقف، ليست ضعفًا بل علامات على الوعي العميق. والمثقف الذي يُمارس هذه الشفافية مع ذاته، قادر على أن ينقلها إلى الآخرين، وأن يمارس دوره بجرأة حقيقية، لا مستعارة.
وبالتالي، فإن الحديث عن المثقف والقيود الذاتية ليس محاولة لإدانة المثقف أو تجريده من قيمته، بل محاولة لفهم إنسانيته. فالمثقف ليس بطلًا خارقًا، ولا رسولًا منزّهًا، بل إنسانًا يعاني، ويخاف، ويتردد، لكنه رغم ذلك، مطالب بالارتقاء فوق هذه المحددات بقدر ما يستطيع. وحين يفعل، لا يكون ذلك لأنه مُلزم بدور تاريخي أو ثقافي، بل لأنه اختار أن يكون صادقًا مع نفسه، أولًا، ومع فكرته ثانيًا، ومع العالم أخيرًا.
مراجع المقال:
1.خيبة المثقفين، جوليان بندا، ترجمة كمال دسوقي.
2.المثقفون، بول جونسون، ترجمة عبد الاله الملاح.
3.عصر الانحطاط: المثقفون في زمن الهزيمة، زيغمونت باومان، ترجمة ناصر عبد الرحمن.
4. الانسان المهدور، مصطفى حجازي.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |