صنعَ اللهُ إبراهيم- للكاتبة نجمة أغسطس

سمير الأمير
2025 / 8 / 20

صنعَ اللهُ إبراهيم" للكاتبة نجمة أغسطس!

كانت رواية "نجمة أغسطس" هي العمل الأول الذي قرأته لصنع الله إبراهيم ،ولم أكن قد سمعت عنه قبل أن تقع عيناي على الرواية وأنا بعد في الصف الأول الثانوي أي منذ حوالي 48سن
كانت الرواية على مكتب المرحوم الدكتور جمال عبد الباقي وقت أن كان ما يزال طالبا في كلية الطب ، فرحت أتصفحها وحين سألته عنها ،راح يمزح معي وقال هذا كتاب بعنوان "صنع الله إبراهيم "كتبته الكاتبة القبطية "نجمة أغسطس"
وكان يبتسم طبعا ،قلت له "لقد قرأت عدة صفحات وعرفت أن الكتاب لا علاقة له بسيدنا ابراهيم على الإطلاق ،فحكى لي عن أن بعض الذين لا يعرفون صنع الله الكاتب يظنون أن نجمة أغسطس هي مؤلفة الكتاب ،ثم حدثني مطولا عن صنع الله ابراهيم وعن أسلوبه في الكتابة فشرعت في قراءة الرواية
فتعرفت على أسلوبه في السرد الذي يهدف إلى تحليل الظواهر الاجتماعية والاقتصادية في خضم ارتباطها بالأحداث المفصلية في تاريخ الوطن كون الرواية اتخذت من حدث عظيم في تاريخ مصر سياقا لرصد التغيرات التي طرأت على حياة من شاركوا في بناء السد العالي وعلى الحياة في مصر بشكل عام دون التورط في "الدعائية" أو في "العدائية" ولكن عبر تأمل سردي تسجيلي لحياة مهندس وافد للعمل في المشروع وكذلك حياة العمال الفقراء القادمين من شتى أنحاء البلاد ،وتجاوزت الرواية ذلك لنقد تجربة يوليو من داخلها دون إغفال لمنجازاتها العظيمة على خلفية وجود المعتقلات وأسلوب ممارسة السلطة.
وبعد ذلك قرأت في المرحلة الجامعية رواية "اللجنة " التي كادت أن تكون تقريبا تقليدا كامل الأوصاف لرواية المحاكمة "لفرانز كفكا" ولكن هذه الرواية كانت أيضا من ضمن الأعمال التي كنا نتداولها كشباب جامعي مثقف وثائر وطامح للتغيير واعتبرناها صرخة ضد التسلط والأمبريالية رغم محاولة البعض تصديرها لنا باعتبارها رواية مضادة للاشتراكية السوفيتية والنظم الأولجاركية التي استنسختها في المنطقة العربية
ثم قرأت له أيضا رواية "شرف" في التسعينيات وهي رواية من أعظم ما كتب في أدب السجون لأنها اتخذت من فضاء السجن خلفية للتحولات الاقتصادية المنحرفة التي واكبت الانتقال إلى عصر الانفتاح واقتران المال بالسلطة وشهدت الرواية تحولات هامه في أساليب السرد وكما ابتكر شكسبير في هاملت تقنية "المسرحية داخل المسرحية" ،قدم لنا صنع الله في شرف تقنية "المسرحية داخل الرواية" وكذلك قدم أساليب مستحدثة كثيرة لم تعهدها الرواية التقليدية
وفي رواية" ذات " التي نشرت في التسعينيات أيضا يكثف صنع الله محاولته لصنع سردية اجتماعية لحال امرأة مصرية وأسرتها خلال نفس عصر التحول الذي أطلق عليه صنع الله نفسه كغيره من الكتاب المنتمين لليسار المصري
عصر الثورة المضادة بمعنى التنكر لمصالح الفقراء والاقتصاد التشغيل، الذي انعكس قطعا على قيم المجتمع فقدم تحليلا أنثروبولوجيا من خلال عيون امرأة مصرية تكافح وأسرتها من أجل البقاء بعدما هبت عليهم كآلاف الأسر الأخرى رياح الانفتاح التي جعلتهم عاجزين في معظم الأحوال على مواصلة الحياة محتفظين بمبادئهم وشرفهم

ولم تقتصر روايات صنع الله ابراهيم على جغرافية مصر بل امتدت إلى الوطن العربي بأسره كونه عاش ومات مؤمنا بدور السرد ووظيفة الرواية في طرح الأسئلة المحفزة للوعي
فتناول في رواية "بيروت..بيروت" أحداث الحرب الأهلية اللبنانية التي تقاطعت مع مصير كاتب مصري يبحث عن ناشر في لبنان
وكذلك روايته وردة التي تناولت أحداث ثورة ظفار في عمان
وبكل حال كان صنع الله ابراهيم روائيا منتميا وملتزما بقضايا مصر والقضايا العربية وكان مهموما بالبحث عن سرديات تساهم في نشر الوعي الحقيقي بهذه القضايا

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن