|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

داود السلمان
2025 / 8 / 20
أوضحنا في المباحث السابقة، مفهوم المثقف المقولب، وذكرنا توجهاته، وكيف أنه يخضع إلى ضغوطات، وتحديات مفروضة عليه، وكيف توجب عليه أن يتحدى تلك الضغوطات، وأن يعالجها موضوعية وادراك معرفي، لكي يتصدى للمخاطر، ويصد التحديات، بما يمتلك من قوة عقلية وذهنية، وغير ذلك من الأمور الأخرى. وفي هذا المبحث نضيف: بأن المثقف المقولب هو نتاج زمنٍ كثُرت فيه الأصوات وقلّت فيه الجرأة على التفكير الحر، وهو مثالٌ على المثقف الذي تخلى طواعية أو اضطرارًا عن دوره في زعزعة الثوابت الخاملة، وفضل أن يتموضع داخل قوالب فكرية جاهزة صالحة للتداول والاستهلاك الجماهيري، دون عناء الحفر أو المساءلة. في عصر العولمة، حيث تداخلت الثقافات وتشابكت الخطابات، يصبح هذا النمط من المثقف أكثر بروزًا، لأنه يجد في السوق الثقافية المفتوحة فرصة سانحة للانتشار دون أن يدفع ثمن القلق المعرفي أو المغامرة الفكرية.
وأما العولمة، بما تحمله من سطوة الإعلام وتوحيد المرجعيات الثقافية تحت مظلات تجارية أو أيديولوجية، لا تفرز المثقف بالمعنى الكلاسيكي بقدر ما تصنع صورة المثقف الجاهز، ذلك الذي يُعيد إنتاج المفاهيم المتداولة بلغة معاصرة دون أن يضيف إليها بعدًا نقديًا أو رؤيويًا. فالمثقف المقولب لا يتصادم مع التيار، بل يتماهى معه، ويقدّم ما يُطلب منه لا ما يقتضيه الضمير الثقافي. هو الذي يحرص على الظهور في الندوات، ونيل الجوائز، والمشاركة في الفعاليات، دون أن يزعج أحدًا، أو يعكر صفو البنية الرمزية السائدة، لأن مهمته أن يُمثّل لا أن يُفكّك. وفي مواجهة هذه الموجة، تتقلص المساحة الممنوحة للمثقف الحر، الذي لم تعد خطابات المؤسسات الثقافية والإعلامية تتقبله بسهولة، إذ يعتبرونه عبئًا لا ضرورة له في زمن التسويق الثقافي والإنتاج المتسارع للرموز. فالمثقف المقولب يحظى بالدعم والرعاية، لأنه يضبط إيقاعه على نغمة السلطة الثقافية أو الشعبية، لا يربك المعنى، ولا يخرّب الخطاب، بل يُعيد ترتيب ما هو موجود بطريقة جذّابة، لكنها فارغة من التحدي الحقيقي.
مع ذلك، لا يمكن إنكار أن هذا المثقف نفسه ضحية لمنظومة أشمل. فالعولمة لا تكتفي بإنتاج السلع، بل تصوغ أنماطًا ذهنية وتصنيفات سلوكية تُمارَس من خلالها الهيمنة الثقافية. وهنا تظهر التحديات الكبرى التي تواجه أي محاولة لتحرير المثقف من القالب. التحدي الأول هو انفجار المعلومات وتلاشي الفواصل بين الجدّي والهامشي، مما يجعل التفكير النقدي مرهقًا ومشتتًا. والتحدي الثاني هو تطبيع الرداءة، بحيث تصبح الكتابة المسطحة والبنية الجاهزة للخطاب مرادفًا للقبول والشهرة والنجاح. أما التحدي الثالث فهو فقدان المؤسسة الأكاديمية أو الثقافية التقليدية لقدرتها على إعادة إنتاج مثقفين ذوي مشروع حقيقي.
إنّ الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في وجود مثقفين مقولبين، بل في قدرة القالب نفسه على التكاثر داخل بنية الثقافة الجماهيرية، وفي استبطان هذا النمط داخل نفوس شباب يحلمون بالنجومية الأدبية دون المرور بتجربة الفكر العميق أو النضال الرمزي. وهذا ما يجعل الحديث عن "آفاق" مخرجًا ضروريًا، لا ترفًا تنظيريًا. فالمثقف اليوم، لكي يتحرر من القولبة، لا بد أن يستعيد شجاعة الشك، ويخرج من المضمون المعلّب، ويتجه نحو التعددية المعرفية والاحتكاك العنيف مع الأسئلة الكبرى، حتى ولو كلّفه ذلك الإقصاء أو العزلة.
ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بإعادة بناء مفهوم المثقف كصاحب موقف لا مجرد ناقل معرفة، وكمشارك في تأسيس وعي جمعي، لا كصورة ضمن لوحة الاستهلاك الثقافي. إنه ذلك الذي يسكن في منطقة التوتر بين النص والواقع، بين الحلم والخذلان، بين الفردانية والالتزام، وبين التحليل والنبؤة. في عصر العولمة، يمكن للمثقف أن يكون أداة من أدوات النظام الرمزي العالمي، ويمكنه في المقابل أن يتحول إلى مقاوِم ناعم، يعيد إنتاج اللغة بطريقة تُحرّر لا تُقنّن، وتفتح الباب أمام التفكير لا أمام التلقين.
الرهان في النتيجة ليس على عدد المثقفين، بل على نوعيتهم، على من يمتلك الجرأة ليقف في وجه القوالب حتى لو وقف وحيدًا، على من يرى في الكتابة فعلاً وجوديًا لا مناسبة إعلامية، وعلى من يحترق بالمعنى لا يتزين به. المثقف المقولب سيمرّ، ككل ظاهرة متكررة، لكن المثقف الحر وحده من يترك أثرًا يصعب مسحه، لأنه لا يُصنع من ورق الجوائز، بل من نار السؤال.
في نبض هذا العالم المتسارع، ينهض المثقف المقولب كمنظرٍ خلف واجهة مزخرفة من الأفكار الاصطناعية. إنه الذي وجد ملاذه في القوالب الجاهزة، لا في التحدي، واعتمد اللغة السهلة التي لا تترك أثرًا، معتبَرًا "الظهور" هدفًا بحد ذاته، لا خدمةً للفكر الحقيقي ولا للمجتمع الحي.
كما أن عصرنا الحالي، حيث سيطرت التجارة المعرفية على العالم، يُهدد استقلال المثقف ويتطلب منه أن يكون ناشطًا ذا موقف لا وصمة في السجالات الثقافية. تحوّل المثقف من فاعلٍ إلى مستهلك ومتلقٍ مركز، يتقن صياغة العبارات بلا جوهر. يتلقّى الدعوات للجوائز والمنتديات، ويعيد إنتاج ما هو متداول، كحاذقٍ لكنه لا يملك الوجهة.
في عالم تتسارع فيه المعلومات وتتفكك فيه الهويتان القومية والثقافية، يغدو المثقف الحر مقاومًا ناعمًا، لا هاربًا من الحوار، ولا تابعًا للمنظومة. إنه ذلك الذي ينتج أفكاره من تذوق الذات أولًا، ثم يطرحها في فضاءات تؤمن بالاختلاف والاكتشاف.
وأخيرًا، فإن المثقف المقولب لن يختفي بسهولة، لكنه جدار فارغ أمام حركة الفكر الحقيقية. أما المثقف المُحرّر من القولبة، فهو من يكتب ما ينبغي أن يُقال، لا ما يُتوقع أن يُرضي، يزرع بذور السؤال بدل تكرار الإجابة، ويعيد للأدب مساحته، وللفكر حرّيته المقدّسة. فامنح هذا المثقف من نفسه، بدلاً من أن يكون نسخةً من القالب.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |