|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
محيي الدين ابراهيم
2025 / 8 / 17
منذ منتصف القرن العشرين، بدأت الكتابة السردية في عالمنا العربي تتحرر من قوالب الحكي الكلاسيكية لتخوض مغامرتها الكبرى: أن تكتب الحياة لا كخبرٍ محكيٍّ، بل كوعيٍ يتشكل ويتعدد ويتكسر داخل النص. لم يعد النص الأدبي مجرد مرآة للعالم، بل أصبح العالم ذاته مادة للخلق، ومع كل رواية جادة تولد “حالة سردية” تحمل وعياً ضمنياً بما هو مسكوت عنه، وتضع المتلقي أمام اختبارات جديدة في التأويل والتلقي.
ما تغير ليس فقط شكل الحكاية أو ترتيب المشاهد، بل تغير جوهر العلاقة بين اللغة والواقع. لم تعد اللغة وعاءً شفافاً يُسكب فيه المعنى، بل غدت فضاءً مشوشًا، متشظيًا، يتشابك فيه الحلم باليومي، واللاشعور بالمبثوث الثقافي، والراهن بالمنسيّ. بذلك أصبح النص الأدبي يحمل منطقه الداخلي الخاص، غير خاضع للتتابع المنطقي أو التراكيب الجاهزة، بل متوغلاً في فوضى منظمة تستبطن الوجود.
هذا التحول لم يُقابل، للأسف، بذائقة نقدية موازية. لا يزال النقد العربي، في غالبيته، عالقاً في أطر قديمة، تابعة أو متماهية مع مؤسسات ثقافية سلطوية، تكرّس تقنيات التحليل بدل مساءلتها، وتبحث عن التجانس لا عن التعدد، عن الدلالة لا عن الاحتمال. وكأن الناقد لا يزال ينتظر النص الذي يُشبهه، لا النص الذي يُخالفه، ويتكئ على التراث النقدي أو على الحداثة الغربية دون مساءلة جوهرية لهما.
يحدث هذا بينما يتقدم النص الروائي خطواتٍ واسعة في تفكيك المفاهيم السائدة عن الذات، والزمن، والمكان، والسلطة، والمعنى، ويذهب نحو الكتابة بوصفها "اختباراً وجودياً"، لا استعراضًا لغويًّا. لم يعد الكاتب نبيًا يحمل هوية الجماعة، بل كائناً هشًا مأزوماً، يصوغ ذاته في صراع مع مؤسسات تمحو الهويات، وتعيد إنتاجها عبر وسائل الإعلام والتكنولوجيا ومؤسسات السوق.
إن السرد الجديد –بكل انكساراته وتمرده– هو صوت الذات العربية في مخاضها الحاد مع ثلاثية الاضطراب: انهيار النموذج المعرفي التقليدي، تراجع الدور السياسي للدولة، وسطوة الاقتصاد والاتصال، وثالثًا، اختراق التكنولوجيا لكل تفاصيل حياتنا. هذه اللحظة تستدعي قراءة لا تنظر للنص بوصفه “موضوعًا أدبيًا” بل بوصفه “وعيًا معقدًا” يعيد تشكيل الواقع من داخله.
ومن هنا برزت دعوات لقراءة النص الأدبي في علاقته بالحياة اليومية. ليس بمعنى الواقعية الساذجة، بل باعتبار أن كل فعل إنساني، من الإعلان إلى الدراما، ومن الفرجة إلى الرياضة، هو كتابة من نوع آخر، يُعبّر عن البنية العميقة للثقافة. إن الفعل الإنساني في ذاته "نص" يُفكّك، ويُؤول، ويُكشف، لأنه يحمل خطابًا عن الذات والواقع والاحتمال.
على هذا الأساس، فإن “النص” لا يُقرأ وحده. بل يُقرأ باعتباره جزءًا من نسيج ثقافي واجتماعي معقّد. والحياة اليومية، بكل ما فيها من تفصيل هامشي، تُصبح منجمًا للسردية الجديدة، لأنها تكشف عن التجربة العربية المُبعَدة قسرًا عن الفعل السياسي، والمكبوتة داخل آليات القمع الاجتماعي.
ومع الثورة التكنولوجية، لم يعد الأدب بمنأى عن التحول الجذري. لقد غيّرت الأدوات الحديثة طبيعة الكتابة ذاتها، إذ لم تعد اللغة وحدها هي الوسيط، بل انضمت الصورة، والصوت، والحركة، وأصبحنا أمام النص الفائق (Hypertext) الذي لا يُقرأ خطيًا بل يُخترق مثل متاهة، وتتشكل دلالاته عبر التفاعل مع المتلقي. لقد تحوّل المتلقي من قارئ صامت إلى شريك فاعل يعيد بناء النص وفق أفق انتظاره.
هنا، تبرز الأزمة الحقيقية للنقد العربي الذي لا يزال مهووسًا بالمؤلف أو بالسياق، ويهمل البنية الفنية، أو يسجن العمل في لحظة تاريخية، أو يعيد إنتاج الخطاب الأيديولوجي عبر لغة زخرفية لا تُضيف للنص إلا تعتيمًا. وبهذا، يفشل النقد في إنتاج معرفة جديدة بالواقع أو بالعمل الأدبي ذاته.
لقد حان الوقت لتأسيس ذائقة نقدية جديدة، تفكك ولا تشرح، تؤول ولا تُلخص، تُفكّر ولا تُلقّن، لأن النص الجديد ليس مجرد بنية لغوية بل هو شكل من أشكال التفكير، بل من أشكال الحياة ذاتها.
إن النقد بهذا المعنى يجب أن يستعير من علم الجمال موقفه المتحرر من السلطة، موقفه القائم على مساءلة العمل لا امتداحه، وعلى تفكيك أجهزته الخطابية لا استهلاكها. النقد الجمالي هو في جوهره نقد للثقافة، نقد للهيمنة، نقد للاستهلاك، نقد لتاريخية المفاهيم ذاتها.
وقد برزت تجارب عربية لافتة ككتاب "النقد الثقافي" لعبد الله الغذامي، الذي حاول أن يوسع من مفهوم النقد ليشمل تحليل الأنساق الثقافية المضمرة داخل النصوص، كاشفاً أن بعض الشعراء الذين يتغنون بالحداثة، إنما يعيدون إنتاج أنساق سلطوية قديمة، ترسّخ الهيمنة، لا تُحرر منها. فالحداثة –في جوهرها– ليست زخرفًا لغويًّا بل موقف جذري من الحياة، ومن السلطة، ومن الجمال.
النص السردي اليوم، إذن، ليس حكاية تُروى، بل موقف يُبنى، ووعي يُختبر. وكل سرد جديد هو نوع من المقاومة، مقاومة للزمن المُعلّب، للمعنى المسبق، للشكل الواحد، وللذائقة الخاملة.
وفي عصر العولمة والتشابه، حيث تُعاد إنتاج القيم بلغة واحدة وشكل واحد، تصبح الرواية فعلًا مضادًا، مشاغبًا، ينهل من الهامش، ويحتفي بالتفاصيل، ويستكشف مناطق الصمت، والجسد، والحلم، والتاريخ المجهول. ويصبح النقد معها ضرورة حيوية لا لتفسير النصوص، بل لفهم أنفسنا داخل هذا العالم المتغير.
النص السردي المعاصر ليس مجرد تطور في الشكل، بل هو إعلان عن تحول في الرؤية، وفي الوعي، وفي معنى الإنسان ذاته. ولذا فالنقد الذي لا يواكب هذا التحول، يفقد مبرر وجوده، ويغدو أحد أقنعة السلطة، لا أحد وجوه الحرية.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |