|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
طلعت خيري
2025 / 8 / 2
تساهم الاعتقادات الوثنية والدين السياسي في تهيئة الأرض الخصبة لاحتضان تيارات سياسية مختلفة ، لطالما لا تتعارض مع مصالح الطوائف وتوجهات رجال الدين والكهنة والأسياد ، فالدين السياسي يسمح ببناء ايدولوجيا سياسية فوفق ايدولوجيا الاعتقاد ، فاسحا المجال لشريحة غير واعية للترويج لمبادئ الدكتاتورية مسخرا التحيز اللاواعي لفرض الهيمنة السلطوية على المجتمع ، حاكمية الأمر الشمولي بيد الحاكم والجهاز السلطوي التابع له ، الذي يحاول سد الثغرات المهددة لكيانه السياسي بقوانين صارمة ، تتهم الأفكار التقدمية النهضوية على إنها مؤامرة خارجية ، فرض التحالف المكي الرأسمالي شمولية على المجتمع المكي بأسره ، معتمدا على مبدأ التحيز أللاواعي مسخرا أصحاب الأهواء والرغبات الشخصية كأداة للبطش بالمؤمنين بالله واليوم الأخر، بالفكر العقائدي والتهديد والوعيد غيَّر التنزيل ثقافة المجتمع المكي لصالحه ، قال الله حم ، حرف مقطعة لها علاقة بأرشفة السور التي نزلت في مكة بشكل كامل ، والكتاب المبين ، مبين واضح لاحتوائه على سور وآيات مجتمعة في كتاب ، اكتسب الكتاب منزلة مباركة في ليلة نزوله ، أنا كنا منذرين ، فالإنذار بداية التغير الفكري الذي سيدفع بالواعين الى الأخذ بجديته ، تاركا التحيز للاواعي للمصير المخزي ، إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين
حم{1} وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ{2} إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ{3}
غَلَق الفكر الوثني الشركي المكي مجتمعه على ايدولوجيا اعتقاديه سدت أفق الوعي لدى الإفراد ، لجعله متقوقعا حول تراث الآباء وملة إبراهيم وحرمة البيت ، رافضا لأي تغير عقائدي يضر بديموغرافيا المصالح السياسية والاقتصادية ، ولما أراد الله إنهاء شمولية الاعتقاد المكي توجه الى ما أحكمته التعاليم الدينية ، قائلا ، فيها تعني الليلة المباركة ، فيها يفرق كل أمر حكيم ، يفرق تعني يفكك كل ما احكمه الشيطان فكريا وذهنيا وعقليا في دائرة التحيز للاواعي ، وبأمر من الله بداء التنزيل بتفكيك ايدولوجيا الاعتقاد الوثني ، قال الله أمرا من عندنا أنا كنا مرسلين
فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ{4} أَمْراً مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ{5}
يهدف التنزيل الى تفكيك الشمولية المكية بالتأثير الفكري والعقائدي على التحيز اللاواعي ، لبث الوعي الرامي الى الرحمة ، تقسم الرحمة الى نوعين ، رحمة دنيوية وتعني إنقاذ المجتمع المكي من القيود والأغلال البالية المستغلة لدخل الفرد ومصادر عيشه ، كالإسراف المالي على شراء الأشياء المقدسة مثل الصلبان والقلائد والخزف والقواقع البحرية الجالبة للرزق والسعادة والمال ، وبالتالي سيكون لديه فائض مالي يساعده على تحسين وضعه الاقتصادي والمعيشي ، ورحمة أخروية الخلاص من العذاب الأخروي ، قال الله رحمة من ربك انه هو السميع العليم
رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ{6}
لتفكيك الشمولية المكية بالتأثير الفكري والعقائدي، عرض التنزيل على المجتمع المكي ماهية المبادر بالرحمة الدنيوية والأخروية ، لحصر الربوبية والإلوهية بخالق السماوات والأرض فقط قال الله
رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ{7} لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ{8}
ما لا يقبل الشك ان الطبقة الرأسمالية والأسياد والكهنة وأصحاب الأنشطة التجارية ومن لف لفهم من أصحاب الأهواء والرغبات الشخصية ، رفضوا الامتثال لعواقب الإنذار الدنيوي المهدد للمصالح ، لانشغالهم بتراكم رأس المال والملذات فليس لديهم الوقت الكافي للإصغاء لمثل هكذا إنذار، قال الله بل هم في شك يلعبون
بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ{9}
إنذار الرسل للمجتمعات عبارة عن تحذير دنيوي من العوارض المهلكة ، كالكوارث الطبيعية المهددة للوجود البشري ، أو من الانهيارات الاقتصادية والمالية ، أو من التغير الديموغرافي المستبدل للمجتمعات والشعوب ، وهذا ما سنطلع عليه لاحقا في قصة موسى وفرعون ، البعد العقائدي للإنذار الميداني لتوضيح قدرة الله على الإيمان القهري تحت ضغط التهديد المصيري ، ويمكننا استيعاب ذلك من خلال الانقلاب السيكولوجي للمشركين على آلهتهم ، قال الله فارتقب يا محمد يوم تأتي السماء بدخان مبين ، الدخان اضطراب مناخي مفاجئ يخلط غبار الأرض مع تيارات هواء السحب التراكمية مشكلا أدخنة داكنة لم يعتاد عليها أهل مكة من قبل ، يغشى الناس هذا عذاب اليم ، يخاف الناس على ان يكون هو العذاب الذي وعد به محمد ، رد فعل المشركين ميدانيا على الإنذار ، ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون إيمان قهري ، أنى لهم الذكرى بمعنى ذكرناهم من قبل لكنهم كانوا في شك يلعبون ، وقد جاءهم رسول مبين ، مبين واضح من أهل مكة ، ولما ألقى محمد الإنذار على المشركين قبل وقوعه ، استهزئوا به ثم تولوا عنه ، وقالوا معلم مجنون ، معلم بمعنى تعاليم مؤامرة خارجية على أهل مكة ، رد الله على إيمان المشركين بعد رؤية الدخان إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون ، عائدون للإشراك بالله ، يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون ، كانت سنة ثمانية للهجرة نهاية التحالف المكي الرأسمالي
فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ{10} يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ{11} رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ{12} أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ{13} ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ{14} إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ{15} يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ{16}