|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

ربيع نعيم مهدي
2025 / 8 / 1
"1"
في أحدى غُرف قصر واسط، جلس الحجاج بن يوسف الثقفي على كرسيه يستمع لأصواتٍ لا زال صداها يتردد في أرض السواد، ذلك الصدى الذي لم يهدأ إلا عندما دخلت جاريته ريحانة، وهي تحمل على كتفها سجادة حمراء بلون الدم، لتتوقف في مواجهته قبل ان تتركها لتفترش الأرض حتى وصل طرفها الآخر عند أقدامه، وكأنها طريقٌ نحو القيامة.
- لقد أنهيتها...
- وهل كتبتِ كل الأسماء؟
- أنظر بعينك وتأكد إن كُنتُ نسيت أحدهم؟
نهض الحجاج سائراً على السجادة يدقق النظر في الأسماء التي نُسجت فيها.
- ما أجملها.. أسماء هؤلاء لا تليق إلا بمكانٍ كهذا.. تحت قدمي..
- وهل كان بمقدور الأسماء ان تختار مكانها؟
- ربما...
- قل لي يا ابن يوسف.. أتشعر بثقلهم تحت قدميك؟... أم أن السجادة لا تشكو؟
ظل الحجاج يسير بخطواته على الأسماء، وأجاب دون أن يلتفت الى ريحانة
- إن صدقتُكِ القول.. فسأخبرك بأنني لا أشعر إلا بنشوة يصعُبُ وصفها، ففي كل شبر منها حكاية، كنت الغالب فيها..
- ألا تشعر بالندم على قتلهم؟
- ولِماذا؟..
كانت ريحانة تتأمل في وجه الحجاج وهو يخطو على السجادة، قبل ان يتوقف في منتصفها، يستذكر وقفته على منبر الكوفة.
- أتعلمين.. انني شعرت بالرعب في أول مواجهة معهم؟.. لكنه زال عندما رأيت في وجوههم خوفاً تتستر فيه النقمة.. فأردت تنبيههم الى عاقبة المواجهة.. وصرخت بأعلى صوتي ليسمعني الجميع (إني لأرى رؤوساً قد أينعت وحان أوان قطافها)...
توقف للحظة وهو يحاول ان يجد كلمات تستطيع التعبير عن اشمئزازه من ضحاياه
- هؤلاء كانوا مجرد حمقى... لم يدركوا ان السلطة تتغذى بالدم كي تحيا... لم يعرفوا ان قتلي لهم كان صلاةً في محراب الخليفة.... كان بإمكانهم النجاة من سيف جلادي لو أنهم لاذوا بالطاعة لأمر بني أُميّة..
"2"
كانت ريحانة تراقب الحجاج وهو يبحث في الأسماء المنسوجة على السجادة، حتى وضع قدمه على اسم عبد الرحمن بن الأشعث
- هذا الأحمق مثلاً.. خان البيعة، وتمرّد على الخلافة، وعندما سألته عما دفعه الى ذلك أجاب بكل وقاحة، بأنه سئم من كونه فرداً في قطيع من الجند.. كان يتحدث عن الحُكم وكأنه بوق للفتنة، لم يكن يعلم ان الخوف أساس الُملك..
- والعدل؟.. (سألت ريحانة)
- ذلك مجرد وهمٍ يردده من لا يعرف شيئاً عن الحكم.. مثل هذا (وأشار الحجاج بإصبعه الى اسم سعيد بن جبير)، تبِع ابن الأشعث في تمرده، وأوقد نيران الفتنة، وتحدث للناس عن ضرورة فهم القرآن..
- وما الضير في ذلك؟
نظر الحجاج بتعجب نحو ريحانة قبل أن يجيب
- لو فهِم الناس ما في كتاب الله لأدركوا ان الخوف بابٌ من أبواب الشِرك.. تخيلي لو أنهم نزعوا الخوف من قلوبهم.. فما الذي سيتبقى للسلطة من قوة؟.. كيف سنزرع الطاعة في صدورهم؟!... كلمات ابن جبير كانت فتنة، وهي التي أوصلته الى مصرعه على يدي..
- لكن كلمات ابن جبير بَقيَت حيّة في أذهان الناس
- ربما.. وإن حملها أحدهم في رأسه فسيف الجلاد ينتظر سماع صوتها ليمحوها بيُسر...
"3"
حاولت ريحانة ان تعرف الجرم الذي ارتكبه أصحاب هذه الأسماء فأشارت نحو أحدها
- أخبرني عن هذا.. ماذا فعل ليُقتل؟
- الكميل بن زياد.. كان شاعراً حالم، أحب علي بن أبي طالب وشايعه، لا زلت أذكر قوله (أنا والقصيدة والدم، إخوةٌ في قيد واحد)، أتعلمين ان قصائده كانت أشد خطراً من ثورة ابن الأشعث؟.... لأنها كانت سيوفاً تتستر بالكلمات.. فقتلته كي لا يُقتلني بالشعر الذي ينساب على لسانه كالسهم..
- وهذا؟
- لست أذكره..
- وهذا؟.. أنسيته أيضاً؟
- نعم.. لكنه بالتأكيد قد فعل شيئاً يجعله مستحقاً للقتل..
- وهذه؟.... ليلى؟... ماذا فعلت لتُقتل؟
- ليلى؟.... تذكرتها... تلك فتاة ماتت بخطأ غير مقصود... قُتلت في زحمة الجند وهم يعبرون في إحدى شوارع البصرة
"4"
شعر الحجاج بالانزعاج من أسألة ريحانة، فالكثير من الأسماء صارت بحكم المجهول بالنسبة له، هم ضحاياه لكن ذاكرته لم تحتفظ بشيء عنهم، وفجأة توقف عند إحدى زوايا السجادة، يتأمل شكلًا منقوطًا يشبه الكعبة
- أهذا بيت الله؟
- نعم... هل نسيت أمرك بضربه بالمنجنيق حتى تهدم؟
- لكني أعدت بنائه من جديد
- فعلت ما لم يستطع فعله أبرهة الحبشي
- كنت أريد حماياتها ممن دنس حرمتها ونازع الخليفة ردائه.. ابن الزبير جعل منها حصناً يلوذ به، وكأنه يقول: (ان الله معي)
- وأنت؟ (سألت ريحانة)
- لا أدري.. لكنه ربما كان معي..... (ثم أكمل وكأنه يهذي).. كانت حرباً وبيت الله يعترض طريق النصر، ورسائل الخليفة تستعجل القضاء على الفتنة، لم أكن أحارب الله بل حاربت عدواً تستر بالحرم.. وهذا يكفي
"5"
وقفت ريحانة عند طرف السجادة فيما كان الحجاج يحاول أن يمحو الأسماء بقدميه بلا جدوى، فجثى على ركبتيه وتلمس بيديه كل الأسماء لعلها تنطق بالصفح عما فعل، وأكمل هذيانه:
- أتعلمون انني لولاكم لما كنت أنا.. ولكنني كنت صاحب فضلٍ عليكم.. فأنا من جعلتكم شهداء.. وتطوعت لأحمل وزر قتلكم يوم القيامة بين يدي الله... الله..... الله الذي أبحث عن وسيلة للهرب من مواجهته أو مكانٍ يعصمني من حسابه...
- ألا زِلت تخشاه...
- وكيف لا.. فأنا عبد وإن تبرقعت برداء الكِبَر والسلطة
- كنت أتمنى أن أكتب اسمك معهم
- وأنا أيضاً تمنيت ذلك... لكن هذا مستحيل
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |