|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
حبيب مال الله ابراهيم
2025 / 8 / 1
على مدى عقود، كان المشهد الإعلامي في العراق والمنطقة بأسرها خاضعاً لتقاليد صارمة رسمتها وسائل الإعلام الحكومية والحزبية، تلك التي أتقنت صناعة الرموز وتلميع الوجوه حتى تحولت النخب السياسية والدينية والثقافية إلى ما يشبه المقدسات الإعلامية. كان يكفي ظهور صورة أو تصريح حتى يُترجم إلى شعبية، وكان يكفي الصمت الإعلامي ليُدفن أي فشل أو فساد. على مدى عقود صنع الإعلام الرسمي هالة محصنة حول هذه النخب، وبفضل أدواته التقليدية وآليات الإقناع الموجهة، بدا أن هذه الصورة عصية على التغيير.
لكن التاريخ الإعلامي يشهد منذ سنوات تغييرات غير مسبوقة، تتمثل بالانهيار العلني لتلك النخب. بدأت الصورة تتشقق، الرموز تتساقط واحدة تلو الأخرى، ليس في الخفاء، بل على مرأى ومسمع الجميع، بفعل إعلام رقمي حر لا يعرف قيود الرقابة ولا يخضع لوصاية السلطة.
ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي في كسر احتكار الحقيقة الذي استمر طويلا. لم يعد الإعلام الحزبي أو الرسمي قادراً على التحكم في المعلومة، إذ تسللت الوثائق والتسريبات وفضائح الفساد إلى الفضاء الرقمي بلا حواجز. في العراق وحده، تكفي الأرقام المعلنة حول الأموال المنهوبة، ضعف الإدارة، وسوء الخدمات، لنسف أي خطاب رسمي يحاول الدفاع عن “نظافة يد” النخب السياسية.
هذا الانكشاف لم يعد يطال السياسيين فحسب، بل تعداه إلى شخصيات دينية وثقافية وحتى رموز تاريخية طالما بُنيت حولها أساطير إعلامية راسخة. بفضل الإعلام الرقمي أصبح النقد ممكناً، والمساءلة حقاً، والقداسة الإعلامية مجرد وهم عاش عقوداً بفضل التحكم في المعلومة.
لم تقف النخب مكتوفة الأيدي أمام هذا السقوط. لجأت إلى جيوش إلكترونية منظمة، تحاول إعادة إنتاج الهالة القديمة عبر حملات تضليل وتشويه، ظناً منها أن السيطرة على الخطاب ممكنة كما في السابق. لكن الزمن تغير، والجمهور الذي كان متلقياً سلبياً أصبح فاعلاً ناقداً، يصنع الحدث وينشر الحقيقة، ويقارن بين الروايات، ليكشف التناقضات ويفضح الأكاذيب.
في المظاهرات والاحتجاجات التي شهدها العراق عام 2019، لم يسقط سياسيون فقط، بل سقطت معهم الصورة الإعلامية التي حمتهم طويلاً. اقتحام البرلمان، إهانة الوجوه التي كانت توصف بالمقدسة، الاحتجاجات المستمرة رغم القمع والقتل والتهديد، كل ذلك كشف أن الهالة الإعلامية لم تعد درعاً واقياً. الجمهور اليوم هو صاحب الكلمة، ومنصات التواصل أصبحت بمثابة محكمة شعبية لا تبرئ أحداً إلا بالحقائق والإنجازات.
الانهيار الذي بدأ لن يتوقف عند حدود السياسة، ولن تحمي أي نخبة قدسية قديمة أو رصيداً إعلاميًا صنعته الدعاية. المستقبل يبدو أكثر قسوة على كل رمز يعتمد على الوهم بدل الحقيقة. الإعلام الرقمي منح الشعوب سلاحاً أقوى من الدعاية، سلاح كشف المستور وإعادة كتابة التاريخ بعيون جديدة، بلا وسطاء ولا رقباء.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |