|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
آدم الحسن
2025 / 8 / 1
بعد الحرب العالمية الثانية انتقلت الرأسماليات الوطنية في العديد من الدول الغربية و على رأسها الرأسماليات الوطنية في أمريكا و في دول اوربا الغربية من حالة الصراع و الحروب الدموية بينهم , كالحربين العالميتين الأولى و الثانية التي راح ضحيتها الملايين من البشر و دمار هائل في بلدان عديدة من العالم , الى مرحلة جديدة اطلقوا عليها العولمة .
إن أهم ما تمتاز بها هذه العولمة هو نشوء شركات متعددة الجنسية عابرة للأطر الوطنية و للحدود السياسية للبلدان بدعم حكومات الدول الرأسمالية بما يتفق مع قوانين اقتصاد السوق الحر , يمكن اطلاق تسمية على هذه العولمة بالعولمة الرأسمالية لان أساسها هو اندماج الرأسماليات الوطنية في أطار عالمي .
كان اول الداعمين للعولمة الرأسمالية هم اصحاب رؤوس الأموال الوطنية في أمريكا و تبعهم اصحاب رؤوس الأموال الوطنية في دول اوربا الغربية مما ساعد على انتقال العولمة الى شتى ارجاء العالم حتى وصلت الى الصين التي تبنت نهج هذه العولمة لكن بعد ان وضعتها في أطار و قيود تخدم المصالح الوطنية للأمة الصينية .
لقد ضن الكثير من خبراء الاقتصاد الرأسمالي أن العولمة و بالذات الأركان الاقتصادية لها هي الحل و إن مستقبل عظيم سيكون في انتظار الشركات المتعددة الجنسية التي ستخلق مستقبل أفضل للبشرية .
لتلبية مصالح الشركات المتعددة الجنسية انبثقت اتفاقية التجارة الحرة , إذ كان أهم اهداف هذه الاتفاقية هو تقليص القيود و تخفيف الحواجز الجمركية بين الدول للوصول بشكل تدريجي في نهاية المطاف الى رفع كامل لكل الحواجز الجمركية بين كافة الدول مما يتيح المجال لانتقال السلع و الخدمات بين الدول بحرية و دون جمارك أو قيود و الذي سينتج عنه دمج أسواق كافة دول العالم المختلفة في سوق عالمية واحدة تتنافس فيها كل السلع و الخدمات وفق قوانين اقتصاد السوق الحر .
كانت الدول الرأسمالية و بالأخص الولايات المتحدة الأمريكية من أكثر الدول الداعمة لاتفاقية التجارة الحرة و اهدافها بعكس ما نشهده اليوم و قد تحولت الولايات المتحدة الأمريكية الى اكثر الدول رفضا لأهداف هذه الاتفاقية حيث بدأت بفرض رسوم جمركية على السلع المستوردة لغرض حماية منتجاتها المحلية و لتطوير صناعتها الوطنية .
من النتائج الطبيعية و الحتمية للعولمة الرأسمالية التي صنعتها الشركات المتعددة الجنسية هو انفتاح اقتصاديات الدول المختلفة على بعض , و لأن كلف الإنتاج متباينة من دولة الى أخرى بسبب تباين مستوى الاجور فيها انقسمت الدول في العالم الى ثلاثة مجموعات :
المجموعة الأولى : تضم الدول التي يتساوى فيها اجمالي صادراتها الى الدول الأخرى مع اجمالي استيراداتها منها , و بالتالي لا تعاني دول هذه المجموعة من مشكلة العجز في الميزان التجاري و ليس لديها ايضا فائض في ميزانها التجاري .
المجموعة الثانية : يكون اجمالي صادرات دول هذه المجموعة اكبر من اجمالي استيراداتها و كنتيجة لذلك يتحقق لدى دولها فائض في ميزانها التجاري مع الدول الأخرى .
المجموعة الثالثة : يكون اجمالي صادرات دول هذه المجموعة اقل من اجمالي استيراداتها و كنتيجة لذلك تعاني دول هذه المجموعة من مشكلة العجز في ميزانها التجاري مع الدول الأخرى .
هنالك عدة حقائق لابد من التطرق لها لمعرفة ازمة العولمة الرأسمالية الحالية :
اولا : مجموع اجمالي الفائض في الميزان التجاري لكافة دول المجموعة الثانية يساوي مجموع اجمالي العجز في الميزان التجاري لكافة دول المجموعة الثالثة .
ثانيا : لا يستطيع اقتصاد أي دولة مهما كان رصيده قويا من الصمود في حالة معاناته من عجز مستمر و لسنين عديدة في ميزانه التجاري مع الدول الأخرى .
ثالثا : ستضطر دول المجموعة الثالثة التي لديها عجز مستمر في ميزانها التجاري الى الغاء تعهداتها التي اقرتها عند انضمامها لاتفاقية التجارة الحرة , لأن الاستمرار بالالتزام بشروط هذه الاتفاقية سيدفع باقتصاد دول هذه المجموعة نحو الانهيار , و من المؤكد أن دول هذه المجموعة ستفرض رسوم جمركية على البضائع المستوردة بنسبة تكفي لحماية انتاجها المحلي من السلع و الخدمات .
رابعا : أما دول المجموعة الثانية التي لديها فائض في ميزانها التجاري فستدعم الالتزام بشروط و اهداف اتفاقية التجارة الحرة لأن شروط و أهداف هذه الاتفاقية تصب في مصلحتها , بعكس دول المجموعة الثالثة التي لديها عجز في ميزانها التجاري فإنها ستعتبر شروط و اهداف هذه الاتفاقية غير عادلة و مدمرة لاقتصادها و سترفض الالتزام بشروطها و قد تضطر للخروج منها إن تطلب الأمر ذلك إذ ستكون مصلحتها الوطنية هي العليا , و سترفع قيادات دول هذه المجموعة شعار " بلدي أولا " مثلما رفع الرئيس الأمريكي ترامب شعار " أمريكا أولا " .
خامسا : مع مرور الوقت ستتلاشى اهمية اتفاقية التجارة الحرة و تصبح من الماضي بعد أن يكون الالتزام بشروطها و اهدافها أمرا غير واقعيا .
مع انهيار الأركان الاقتصادية للعولمة الرأسمالية بسبب التفاوت الكبير في مستوى الأجور سينقسم السوق العالمي الى سوقين :
السوق الأول : لدول الشمال العالمي الذي سيشمل الولايات المتحدة الأمريكية و دول الاتحاد الأوربي و اليابان و استراليا و كندا و بضعة دول اخرى .
السوق الثانية : لدول الجنوب العالمي الذي سيشمل الدول الأساسية في مجموعة بريكس , الصين و الهند و روسيا و البرازيل و جنوب افريقيا , و دول منظمة جنوب شرق اسيا ( أسيان ) , و سيمتد هذا السوق ليضم دول أفريقيا و أمريكا الجنوبية و باقي دول العالم التي ليست في سوق دول الشمال العالمي .
من المؤكد أن دول الجنوب العالمي لا تحتاج لحماية اقتصادها من تدفق السلع و الخدمات من دول الشمال العالمي إذ إن اسعار هذه السلع و الخدمات غير تنافسية في سوق دول الجنوب العالمي , و العكس سيكون بالنسبة لدول الشمال العالمي التي ستكون بحاجة مستمرة و متصاعدة لحماية اقتصادها من تدفق السلع و الخدمات من دول الجنوب العالمي , كل هذه المتغيرات ستؤدي الى انهيار نظام النقد العالمي الذي فرضته دول الشمال العالمي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية على دول العالم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية و سيتشكل نتيجة هذا الانهيار نظام نقدي عالمي جديد لم تتضح معالمه لحد الان لكنه بالتأكيد سيكون نظاما اكثر عدلا من النظام النقدي الحالي .
(( يتبع ))
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |