|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

أحمد كامل ناصر
2025 / 7 / 30
زمن تتصارع فيه الأسئلة الحارقة حول الهوية والانتماء والمكان، تأتي السيرة الذاتية لتكون أكثر من مجرد سرد لحياة فردية؛ إنها أحيانًا تصبح عدسة كاشفة لفهم واقع جماعي متشظٍّ، وصوتًا فرديًا ينبض بوجع شعب بأكمله. وهذا تمامًا ما يقدّمه وليد الصادق في سيرته الذاتية "منفي في وطنه: من الطيبة إلى الكنيست"، حيث تتقاطع الذات مع الجماعة، والتجربة الخاصة مع القضية العامة، في رحلة متوترة بين الانتماء والاغتراب.
السيرة هنا ليست اعترافًا شخصيًا فحسب، بل مرآة لجدلية معقدة تحكم الواقع الفلسطيني داخل إسرائيل، حيث الجغرافيا لا تفصل الجسد عن الأرض، لكن الانتماء يظلّ هشًا ومساءَلًا، والهوية محل شك دائم. فالتعبير "منفي في وطنه" لا يأتي كمجاز أدبي فقط، بل كصرخة وجودية تختزل التناقض البنيوي الذي يعيشه الفلسطيني في الداخل: هو في وطنه، لكنه دائمًا في موقع المغترب، الغريب، المشكوك في شرعيته.
يأخذنا الكتاب في مسار زمني متدرج يمتد عبر ثمانية وعشرين فصلاً، يبدأ من مدينة الطيبة، ويمر بمفاصل تعليمية ومهنية، وصولًا إلى أروقة السياسة والكنيست. لكن هذا التدرج لا يُقاس بالمواقع التي بلغها الكاتب، بل بالتجربة الداخلية التي خاضها في كل مرحلة، بما تحمله من صراعات بين الرغبة في الاندماج والخوف من التماهي، بين الطموح الشخصي والجدران البنيوية التي تعيق الانتماء الكامل.
في هذه السيرة، لا يدوّن وليد الصادق مسيرة شخصية فقط، بل يخطّ شهادة حيّة على ما يعنيه أن تكون فلسطينيًا مواطنًا في دولة قامت على نكبة شعبك. فهو لا يتحدث فقط عن السياسة بمعناها الرسمي، بل عن السياسة كحالة وجود، كحياة يومية مليئة بالاصطدامات مع المؤسسة، مع المجتمع العربي ذاته، ومع الذات التي تئن تحت ثقل الأسئلة الوجودية.
ولعل ما يمنح هذا العمل خصوصيته هو المزج العميق بين التأمل الذاتي والتوثيق الجماعي. فالكاتب لا يسعى لتبرئة الذات، ولا لتخوين الآخر، بل يطرح الأسئلة التي يخشى كثيرون طرحها: ما معنى أن تكون عربيًا داخل نظام لا يعترف بك؟ ما جدوى النضال من الداخل في ظل اتهامات دائمة بالخيانة؟ كيف نربّي أبناءنا على الانتماء، ونحن لا نكاد نحدد ما هو هذا "الانتماء"؟
لغة الكتاب تجمع بين البساطة والعمق، بين السرد والتأمل، وتبتعد عن التنظير الأيديولوجي لتغوص في تفاصيل الحياة اليومية، حيث تظهر وجوه الاغتراب والانتماء في أبهى تناقضاتها: في المدرسة، في العمل، في الحي، في المؤسسات الرسمية، وحتى في اللغة. كل مشهد يعكس توترًا متجددًا بين الذات التي تريد أن تُعاش بكرامة، والواقع الذي لا يرحب بها بالكامل.
يتموضع وليد الصادق في الكتاب لا كبطل ولا كضحية، بل كشاهد يسعى لأن يكون صوته امتدادًا لأصوات كُتمت طويلًا. هو يقول ما لا يُقال غالبًا في السرديات الرسمية، ويضعنا أمام أسئلة محرجة دون أن يدّعي امتلاك الإجابات. وهنا تكمن قوة العمل: في كونه فعل مقاومة ناعمة، لا بالسلاح، بل بالكلمة، لا بالشعارات، بل بالتجربة الصادقة التي لا تمجد الإنجاز، ولا تخجل من الخيبة.
الكتاب، بهذا المعنى، يتجاوز حدود السيرة الذاتية ليصبح خطابًا ثقافيًا حول الهوية الفلسطينية في الداخل، وحول الوجود العربي في ظل واقع سياسي واجتماعي متشظٍ. إنه يسلط الضوء على المسكوت عنه في العلاقة بين الفرد ودولته، وعلى هشاشة الانتماء حين لا يُقابَل بالاعتراف، وعلى الشعور الدفين بالمنفى، حتى حين لا تُغادر الأرض.
إن جدلية الانتماء والاغتراب التي تتخلل صفحات الكتاب، ليست حالة فردية معزولة، بل حالة جماعية يعيشها جيل كامل من الفلسطينيين في الداخل. وهي جدلية تتجلّى في تفاصيل بسيطة: في الشعور بالارتياب من نظرة المؤسسة، في التردد عند رفع العلم، في الإحساس بالخذلان من المجتمع أو من الذات. كل ذلك يُكتب بلغة صادقة، خالية من الادعاء، لكنها مشحونة بالأسى والوعي.
في الختام، فإن "منفي في وطنه: من الطيبة إلى الكنيست" ليس فقط حكاية رجل عاش بين الطموح والخذلان، بل هو وثيقة ثقافية تسائل التاريخ من الداخل، وتدعونا إلى إعادة التفكير في ما نعتبره بديهيًا حول الانتماء، الهوية، والمكان. إنه تذكير بأن الكفاح من أجل الاعتراف لا يمر فقط عبر المؤسسات أو الحدود، بل أيضًا عبر السرد، اللغة، والذاكرة. وهو قبل كل شيء، نداء لأن نكتب ذواتنا بأيدينا، لا أن نترك للآخرين أن يكتبوا عنا.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |