|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
البشير عبيد
2025 / 7 / 24
ثورة 23 يوليو ...الحلم القومي في مفترق التاريخ
البشير عبيد / تونس
حين يُكتب تاريخ القرن العشرين العربي، لا يمكن تجاوز لحظة 23 يوليو 1952، تلك اللحظة الفاصلة التي خرجت فيها مصر من تحت عباءة الملكية والتبعية الأجنبية، لتعلن ولادة مشروع جديد غيّر مجرى السياسة العربية لعقود. لم تكن ثورة يوليو مجرّد حركة ضباط أنهوا حكمًا فاسدًا، بل كانت، في عمقها، انفجارًا واعيًا لطموحات دفينة تراكمت في وعي الشعوب العربية منذ عقود الاستعمار، والنكبات، والانكسارات المتتالية. كانت وعدًا بالتغيير، واستعادةً للكرامة، وميلادًا لمرحلة من الحلم القومي الذي أراد أن يعيد صياغة علاقة العرب بأنفسهم وبالعالم.
في قلب هذا الحدث، وقف جمال عبد الناصر لا كقائد عسكري فقط، بل كرمز لمشروع تحرري واسع النطاق، يطمح إلى بناء وطن متحرر وعادل، ويُعيد للأمة موقعها في التاريخ. لكن كما في كل الأحلام الكبرى، فإن مسافةً طويلة قد تفصل بين الرغبة والواقع، بين الشعارات والتجسيد، وبين الزعيم والتجربة. فهل حققت ثورة يوليو طموحاتها؟ أم أنها زرعت بذورًا أخرى لأزمة عربية متجددة؟
الثورة كاستعادة للكرامة الجماعية
جاءت ثورة يوليو في لحظة عربية مفصلية، مثقلة بخيبات ما بعد الاستعمار ونكبة فلسطين 1948. وكانت مصر، رغم استقلالها الشكلي، لا تزال تخضع عمليًا للنفوذ البريطاني، بينما ينهش الفقر جسد المجتمع، وتُختزل السياسة في قصر ملكي ومضارب إقطاعية.
في هذا السياق، قدّم "الضباط الأحرار" أنفسهم كتجسيد لإرادة التغيير الوطني. وما لبثت الحركة العسكرية أن تحوّلت إلى ثورة شعبية واسعة، وجدت في خطاب عبد الناصر لغة جديدة تُخاطب كرامة المواطن، وتستعيد فكرة الأمة من تحت ركام الخضوع.
تحرّكت الثورة بسرعة: إلغاء الملكية، إصدار قوانين الإصلاح الزراعي، تقليص نفوذ الطبقة الأرستقراطية، بناء جهاز الدولة الوطني، إطلاق برامج التعليم والصحة، وإنشاء قاعدة صناعية ناشئة.
لكن الكرامة التي بشّرت بها الثورة لم تكن فقط في الإجراءات الاجتماعية، بل في استعادة السيادة الوطنية. فجاء تأميم قناة السويس عام 1956 بمثابة لحظة الذروة، حيث تحدّت مصرُ عبد الناصر قوى الإمبريالية الغربية وفرضت إرادتها، متحدّية العدوان الثلاثي، ما أكسب الثورة شرعية جماهيرية واسعة داخل مصر وخارجها.
ومع ذلك، فإن سرعة التحولات جعلت المسار محفوفًا بالتناقضات. إذ بدأت الثورة، رويدًا رويدًا، تتحوّل من مشروع تحرير إلى منظومة حكم مركزي تُقصي المخالفين، وتُضيق على الحريات العامة، وتبني جهازًا بيروقراطيًا مفرطًا في الولاء أكثر من الكفاءة.
عبد الناصر بين الكاريزما والمشروع
لم يكن عبد الناصر مجرد رئيس دولة، بل كان صورة مكثفة لحلم شعبيّ بالكرامة والوحدة والتحرر. تحوّلت شخصيته إلى حالة وجدانية رمزية، تجاوزت مصر لتستقرّ في قلوب ملايين العرب من المحيط إلى الخليج. فقد جمع بين بساطة رجل الشارع، وشجاعة القائد، وقدرة استثنائية على التواصل مع الجماهير.
كانت خطاباته تحمل وعودًا كبرى: التحرر الوطني، الوحدة العربية، العدالة الاجتماعية، وتصحيح ميزان القوى العالمي. ومن خلال حركة عدم الانحياز، حاول أن يُشكّل محورًا ثالثًا خارج استقطاب الحرب الباردة، مدافعًا عن قضايا المستضعفين في العالم.
لكن التداخل بين الزعيم والمشروع، بين الشخص والدولة، خلق اختلالًا في البناء المؤسسي. فقد أصبحت الدولة امتدادًا للزعيم، وتحول الجهاز السياسي إلى قناة لتنفيذ رؤى الفرد لا إلى ساحة نقاش ديمقراطي.
غياب التعددية، وتهميش الأحزاب، وإضعاف الصحافة المستقلة، جعل الحياة السياسية رهينة الولاء لا الكفاءة. وهكذا، برغم المشاريع الطموحة، تكلّست آليات اتخاذ القرار، وتعاظم دور الأجهزة الأمنية، وتآكلت قدرة الدولة على النقد الذاتي والتقويم.
مكاسب الإنجاز وحدود الإخفاق
من الظلم أن يُختزل إرث ثورة يوليو في إخفاقات لاحقة، إذ لا يمكن إنكار ما حققته من منجزات ملموسة على الأرض. فقد أسست لطبقة وسطى صاعدة، ووسّعت قاعدة التعليم، ونشرت ثقافة العمل الوطني، وبنت قطاعات صناعية وزراعية ذات استقلال نسبي، كما وضعت حجر الأساس لمنظومة خدمات عامة كانت غائبة تمامًا عن أغلب الشعوب العربية آنذاك.
كما لا يمكن تجاهل تأثيرها العربي والدولي: دعم الثورة الجزائرية، والانخراط في الشأن الفلسطيني، وتأييد حركة التحرر في جنوب اليمن، واستضافة قادة الثورات الإفريقية، بل وامتلاك الجرأة لمواجهة مشاريع الهيمنة الأمريكية – الصهيونية المبكرة في المنطقة.
لكن هذه المكاسب لم تُحصّن النظام من التآكل الداخلي. فقد أدّت مركزية القرار إلى تعطيل الابتكار، وأنتجت إدارة اقتصادية قائمة على الشعارات أكثر من الحقائق، وتفاقمت البيروقراطية حتى خنقت روح المبادرة.
ثم جاءت هزيمة 1967 كضربة مزلزلة لمجمل المشروع. ففي أيام معدودة، انكشفت هشاشة الجيش المصري، وسقطت سيناء، وساد شعور بالفقدان والانكسار. كانت الهزيمة مريرة، لكنها في الوقت ذاته، لحظة صادمة للوعي العربي، كشفت أن الحلم القومي إذا لم يُدعَّم بمؤسسات صلبة وإدارة عقلانية، فإنه قد يتحوّل إلى عبء رمزي أكثر منه مشروع واقعي.
إرث الثورة بين التقديس والنقد
بعد أكثر من سبعة عقود، ما زالت ثورة يوليو موضع شدّ وجذب بين من يُمجّدها ومن يُدينها. في نظر جيل كامل، كانت هي المرة الأولى التي ينحني فيها الاستعمار أمام إرادة محلية، والمرة الأولى التي يسمع فيها الفلاح والأجير خطابًا يُشبهه ويعده بحقوق.
لكن في نظر آخرين، فإن الثورة دشّنت لمرحلة الحكم الفردي، ومهّدت لثقافة الاستبداد تحت غطاء التحرر، وأقصت النخب الفكرية والسياسية، وأسّست لهيمنة الأجهزة الأمنية على الفضاء العام.
ليس المطلوب اليوم اجترار الأسطورة ولا تصفية الحساب التاريخي، بل مساءلة التجربة بما هي محطة كبرى في الوعي السياسي العربي. لقد مثّلت ثورة يوليو تجربة نادرة حاولت أن تبني دولة وطنية مستقلة وقوية، لكنها سقطت في فخّ غياب الديمقراطية، وفشل التوازن بين السيادة والحرية.
والسؤال الذي تطرحه يوليو على حاضرنا ليس عن جدوى الثورة فقط، بل عن كيفية بناء مشروع تحرري في زمن التبعية الجديدة، دون أن نقع من جديد في ثنائية الاستبداد أو الفوضى.
لقد أنارت يوليو الطريق، لكن الطريق لم يكتمل. فكل مشروع نهضوي بحاجة إلى مراجعة دائمة، وإلى منظومة مؤسسات، لا إلى بطولات فردية فقط. إن اللحظة الراهنة ـ في ظل الانهيارات المتتالية عربياً ـ تستدعي أن نستحضر تلك الروح التحررية، لا بنسخها، بل بإعادة تأويلها بما يناسب أسئلة الحاضر وتحديات المستقبل.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |