|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
2025 / 7 / 21
اللهم إنّي عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيّ حكمك، عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكلّ اسم هو لك سمّيت به نفسك، أو علمته أحداً من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل من بني إسرائيل عِبرة وعِظة للعالمين، وأن تنصر عليهم أُمة الإسلام والمسلمين. ألا ترى كيف يعيثون فساداً في أرض فلسطين؟! إنهم منذ نحو مئة عام الآن يذيقون عبادك هناك أشر أنواع الذل والبغي والظلم. ألست أنت حقاً المطلع، العليم، البصير، العادل كما تُسمي نفسك؟ أين قصاصك وعدلك إذن؟!
نعم يا إنسان. أعرفك منذ يوم خلقتك. كائن أناني مغرور بنفسك. تحسب أني قد خلقت الكون سُخرة لك، أنت وحدك. وغرورك هذا لا يقف عند حد. لكنه ماضٍ بك إلى حد تخيل أن الكون بما فيه وحتى خالقه نفسه رهناً برغباتك وأمنياتك وشكاويك، تحركه بإشارة من يديك وتحريك شفتيك ببعض كلمات سقيمة. تعتقد أني يجب أن أسمع شكواك، وأتدخل بقدرتي المطلقة حتى أغير لك الكون ليصبح كيفما تريد أنت لا كيفما خلقته أنا. هل تظنني شيء ملك يمينك، مصباح علاء الدين مثلاً أو مسخ آخر تدعوه أو تطلب منه فيجيبك "شبيك لبيك، عبدك وبين أيديك"؟!
لكنك قد وعدت بذلك عبادك المخلصين في كتبك المقدسة. وعدتهم بنصرتك لهم ضد أعدائهم، ليس في الآخرة فحسب لكن في هذه الحياة الدنيا أيضاً. أليس كذلك؟
ألم أقل لك مغرور؟ ومن تظن نفسك أنت من بين مخلوقاتي كافة حتى أخصك وحدك دونهم بعهد أو وعد مهما كان؟ ألا تعلم أن العهد فيه التزام، إذا لم يكن أمام آخرين يكون أمام مبادئ الشخص نفسه. بمعنى أن الشخص حين يعطي عهداً يرهن إرادته إما لأشخاص مثله أو لمبادئه الشخصية. ألا تعرف أن إرادتي مطلقة، لا يمكن رهنها لمخلوق مثلك ولا حتى لصفة من صفاتي الإلهية، لأني حينئذٍ سأصبح مقيد الإرادة بشيء أعلى من ذاتي الإلهية وهذا أمر محال في إله مطلق الحرية لا يقيده شيء مهما كان.
ربي. ألم تتدخل ذات يوم لإنقاذ عبادك المخلصين، بني إسرائيل أنفسهم، من ظلم فرعون مصر بمعجزة مشهودة؟ نحن المسلمين، لأننا أصبحنا عبادك المخلصين وليس بنو إسرائيل الذين حرفوا دينهم، نسألك أن تنقذنا من ظلم اليهود اليوم كما أنقذتهم من ظلم الفرعون بالأمس، ولو حتى بمعجزة مثلما فعلت معهم.
إنسان جاهل حقاً. من قال لك أنني قد تدخلت بفعل إعجازي عطل مفاعيل الكون لخاطر سواد عيون اليهود في ذلك الزمان؟ ألم أكن أستطيع بدلاً من شق البحر لهم حتى يلوذوا بالفرار أن أفني لهم المصريين عن بكرة أبيهم حتى أُمكن اليهود من أرض مصر ليتخذوها وطناً لهم، بدلاً من الضياع في الشتات آلاف السنين من عمرهم عبر أنحاء الأرض؟! لماذا تظن أن فيك سراً يجعلك أعظم ما في الكون كله والمحبب إليّ على وجه الخصوص؟ أنت يا إنسان الذي تحب وتكره، تتعاطف وتثأر. لكنني، أنا الله، لست مثلك أبداً. أنا مطلق، رغم إصرارك على تصوري في صورتك النسبية. النسبي هو من يستطيع أن يحب ويكره، وأن يجمع بين المتناقضين معاً وفي الوقت نفسه. بينما المطلق لا يحب ولا يكره، ومنزه عن التناقض. هل تظن أن قتل الأطفال بالملايين يُدمي قلبي أو يهز شعرة مني، إذا كان ليّ شعر أصلاً؟! لا، إطلاقاً. أنا ليس لي قلب مثلك حتى يوجعه أو يدميه أياً ما كان. أنا العدل المطلق لا العدل النسبي الذي تتمناه. الكون كله عندي سواء، يستوي فيه عندي الموت مع الحياة والظلام مع النور. لقد ارتضيت الكون وخلقته على هذا النحو. ولأني عادل بالمطلق، فأنا لا أميل أبداً مع أي مفردة كونية ضد أخرى، مع مسلم ضد يهودي أو يهودي ضد مسلم، مع مظلوم ضد ظالم، مع مؤمن ضد كافر. أنت الذي تتمنى ذلك وتفتريه عليّ حين تظن أن "الأطفال أحباب الله". غير صحيح. الله ليس له أحباب، ولا أعداء، لا من البشر ولا من أي شيء آخر، لأنه منزه ومطلق يعلو فوق كل شيء، وفوق مشاعر البشر. قبل سنوات قليلة حصد منكم كوفيد-19 ملايين الأرواح من الأطفال والنساء والشيوخ ولم أتدخل لكي أنقذكم. لماذا؟ لأن حتى كوفيد-19 هذا أحد مخلوقاتي. والعادل المطلق لا يأخذ صف أحد مخلوقاته ضد الآخر. وحين تمكنت يا إنسان من إيجاد الطعم القاتل له، لم أتدخل أيضاً في صف الكوفيد لحمايته من بغيك وظلمك له وأنت تنتزع منه حقه في الحياة كما أوجدته فيها. هل تفهم ما أعنيه؟
يا ربي. كأني أراك تتنصل من مسؤولياتك ووعودك التي أعطيتنا إياها مقابل حسن عبادتك والامتثال لأوامرك ونواهيك. إذا كان الأمر كذلك، فماذا يكون الفارق بالنسبة إليك بين المؤمن والكافر بك؟!
سحقاً لك أيها الإنسان المتغطرس. من تظن نفسك حتى أتحمل أمامك مسؤولية أو أعطي لك وعداً؟ إنني الله الواحد الأحد، رب الكون ورب العالمين بلا شريك ولا ولد. أنا لست تاجراً أمامك حتى تشتري مني شيئاً مقابل خدمة تسديها لي، الجنة مقابل العبادة المخلصة. أنا كامل، لا تنقصني خدمتك لي ولا تغنيني أنت ذاتك في شيء على الإطلاق. أنا مطلق. لا أتقيد بكلمة أو وعد أو عهد أمامك أو أمام غيرك. أنا حر التصرف بالمطلق في ملكوتي كيفما أشاء. هل تدعي أني وعدتك بجنتي؟ طيب مفيش جنة. وأعدائك في الجحيم؟ طيب مفيش جحيم. هل لك قول بعد قولي هذا؟ هل تملك لومي أو محاسبتي؟ ألم أقل لك أنني مطلق، وأنت تافه وأحمق؟ من تظن نفسك حتى تلزمني بشيء؟!
أيها الإنسان. اذهب وأفني اليهود جميعاً، أو يفنوكم هم جميعاً. هذا شأنكم أنتم ولا يعنيني في شيء. أنا كنت عادلاً بينكم في الخلق منذ البداية، بحيث لم أهب أحداً ذراعاً ولا ساقاً ولا عقلاً أكثر من أخيه. صراعاتكم تلك من أعمالكم واجتهاداتكم أنفسكم فيما بينكم ولا دخل لي فيها. أما ملكوتي، فلن ينقص مثقال ذرة لو أبادت البشرية نفسها بنفسها عن بكرة أبيها. أنا ملكوتي بلا حدود وبلا نهاية ولا يضره أن يفنى منه مخلوق مثلك حتى يُفسح فرصة الحياة أمام آخر، ربما أعظم وأفضل وأرقى منه.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |