|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
البشير عبيد
2025 / 7 / 13
تونس الراهنة: اختبار الوعي السياسي وإرادة التغيير
البشير عبيد - تونس
لا يمكن مقاربة اللحظة التونسية الراهنة إلا بوصفها لحظة مفصلية، تتقاطع فيها إرادة التغيير الشعبي مع مقاومة شرسة لمنظومة عميقة ترسّخت لعقود داخل مفاصل الدولة والمجتمع. لحظةٌ تضع الجميع أمام مرآة الحقيقة، وتختبر جوهر الوعي السياسي، ومدى قدرة البلاد على التحوّل من دولة تُدار من خلف الستار إلى دولة المواطنة التي يعلو فيها القانون وتتحقق فيها المصلحة العامة. لم تعد المسألة مجرّد خلاف بين رؤى سياسية متضاربة، بل صراع بين مشروعين: مشروع إصلاحي وطني يستند إلى السيادة الشعبية والمحاسبة، ومشروع نقيض يسعى لاستعادة دولة الريع، وتحصين دوائر النفوذ، وعرقلة مسارات التغيير.
الدولة العميقة... جغرافيا النفوذ وأدوات الإرباك
منذ انتفاضة 2011، لم تخرج الدولة التونسية بالكامل من قبضة منظومة قديمة تلبّست لبوسًا جديدًا. فالعديد من البُنى الإدارية والمؤسسات السيادية ظلّت رهينة مصالح متشابكة، تخترقها الولاءات الحزبية والمافيات الاقتصادية، وتتحكم بها شبكات ظلت تدير اللعبة من وراء الستار. هذه الدولة العميقة لم تكن مجرّد جهاز غامض أو تنظيم خفي، بل منظومة معقّدة من المصالح والولاءات المتبادلة بين رجال مال، وإعلام، ونقابات، وأحزاب. وكلما حاولت الدولة أن تسترد زمام المبادرة، خرجت هذه المنظومة لإرباك المشهد، تارةً عبر تعطيل المرفق العمومي، وطورًا بتوظيف الاحتجاجات الاجتماعية، وأحيانًا بإثارة ملفات حقوقية مشبوهة تفتقد للشرعية الأخلاقية.
لقد استطاعت هذه القوى، في لحظات عديدة، أن تُفرمل الإصلاح، وتشوّش على الخطاب السياسي الرسمي، وأن توظّف مناخ الحريات لخلق حالة من التسيّب، ثم تلبّس رداء المعارضة من أجل الدفاع عن امتيازاتها القديمة. الدولة العميقة لم تسقط بثورة ولا تلاشت بقرارات رئاسية؛ بل انسحبت إلى الخلف، وانتظرت لحظة الفراغ كي تعود. وهي الآن تحاول العودة من بوابة التشكيك، وتضخيم الفشل، واستدعاء خطابات الإنقاذ الزائف.
علوية القانون ومأزق الانتقائية
لا يمكن لأي مشروع وطني أن ينجح دون أن يُستعاد القانون كمرجعية عليا فوق الجميع، لا كسيف على الضعفاء، بل كميزان عدل يُقوّم الاعوجاج أينما وُجد. لقد أظهر المسار السياسي الجديد منذ 25 جويلية/يوليو رغبة في إعادة الاعتبار للسلطة العامة ومؤسسات الدولة، لكن هذه الرغبة كثيرًا ما ارتطمت بمأزق الانتقائية. فبعض الملفات الكبرى طُرحت ثم طُويت دون حسم، وبعض الشخصيات المتورطة في الفساد أو الفشل الإداري ظلّت في مواقعها، في حين جرى التركيز على قضايا هامشية تُظهر الدولة بمظهر الخصومة الانتقائية لا العدالة الشاملة.
ولعل أبرز اختبار لعلوية القانون هو قدرة الدولة على كسر الحصانات الرمزية قبل القانونية، وإحالة ملفات الفساد الكبرى على القضاء بوضوح وشفافية، دون توظيف سياسي ولا حسابات ظرفية. الوعي السياسي الحقيقي لا يتجسّد فقط في الخطابات، بل في بناء ثقافة قانونية جماعية، يكون فيها المواطن واعيًا بحقوقه، والدولة ملتزمة بواجباتها، بعيدًا عن منطق الزبونية والمحاباة. وفي هذا السياق، فإن محاربة الفساد لا يجب أن تتحوّل إلى شعار استهلاكي، بل إلى مسار مؤسساتي دائم يتجاوز الأشخاص ليصل إلى البنى والهياكل والنظم.
تفكيك المنظومة القديمة: مسار صعب لكنه ضروري
إن تفكيك المنظومة القديمة لا يعني محو الماضي أو استئصال المختلف، بل بناء بديل صلب يُنهي منطق "التعايش القسري" بين الدولة ومناوئيها الداخليين. لهذا، فإن مسار 25 جويلية وإن بدا من حيث الشكل ثوريًا، إلا أنه من حيث المضمون ما زال يتقدم بخطى حذرة ومترددة أحيانًا. فقد نجح في إزاحة بعض رموز الفشل، وإحداث قطيعة مع مشهد برلماني عبثي، لكنه لم يتمكن بعد من تثبيت قواعد اللعبة الجديدة، ولا من تقديم رؤية اقتصادية شاملة أو مشروع مجتمعي يلتف حوله المواطنون.
فالمنظومة القديمة، وإن خسرت الانتخابات والنفوذ السياسي المباشر، ما زالت تمتلك الأدوات الناعمة للإرباك، كالإعلام والتمويل الخارجي والعلاقات النقابية. لذلك فإن المعركة لا تُختزل في خطاب شعبوي ولا في قوانين طارئة، بل هي معركة وعي مجتمعي طويل النفس، يبدأ من إعادة تعريف العقد الاجتماعي، مرورًا بإصلاح التعليم والقضاء والإعلام، وانتهاءً ببناء نخب جديدة غير مرتهنة لماضٍ مثقل بالصفقات والارتباطات المشبوهة.
آفاق دولة المواطنة والعدالة الاجتماعية
رغم كل الصعوبات، تبقى لحظة 25 جويلية فرصة نادرة لإعادة تأسيس الدولة على قاعدة المواطنة والعدالة الاجتماعية. فالشعب الذي خرج في ذلك اليوم لم يكن يبحث عن زعيم، بل عن دولة تؤمّن له الكرامة والأمن والعمل. ولهذا، فإن كل تأخير في بلورة هذا الأفق يُعطي فرصة ثانية لأعداء المشروع كي يستعيدوا أنفاسهم ويعودوا بأقنعة جديدة.
إن دولة المواطنة التي نحلم بها هي تلك التي لا تُقصي أحدًا لكنها لا تساوي بين الجلاد والضحية، ولا تُكرّم الفاسد بدعوى المصالحة، ولا تمنح الثقة لمن خانها سابقًا. هي دولة تكون فيها الإدارة في خدمة المواطن لا سلطة عليه، ويُعاد فيها الاعتبار للعمل، وتُعاد صياغة منظومة الدعم والجباية بما يضمن توزيعًا عادلًا للثروات. فلا معنى للسيادة السياسية دون سيادة اقتصادية، ولا معنى للكرامة دون عدالة اجتماعية.
هذه الدولة لا تُبنى فقط عبر القوانين، بل عبر ترسيخ ثقافة سياسية جديدة تتجاوز منطق التبعية والانفعال إلى منطق الفعل والمشاركة. فالديمقراطية ليست مجرد انتخابات، بل هي وعي يومي بالحقوق والواجبات، واستعداد دائم لمقاومة الردّة والفساد والتطبيع مع الرداءة. وهذا يقتضي من المواطن أن لا يكون متلقّيًا فقط، بل شريكًا فاعلًا في النقد والبناء والتصحيح.
في الختام، لا تزال تونس في قلب العاصفة، تتأرجح بين مشروع يريد استعادة الدولة من براثن الفوضى والفساد، وقوى قديمة تحاول إعادة تدوير ذاتها. هو صراع بين الذاكرة والرجاء، بين العطالة والإصلاح، بين دولة تستعيد زمامها ومجتمع يبحث عن معنى جديد للانتماء. وهنا، يكون الوعي السياسي لا مجرّد موقف، بل امتحانًا مستمرًّا للضمير الجمعي، وإرادة تغيير تتجاوز لحظة الاحتجاج إلى أفق التأسيس.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |