|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
2025 / 7 / 12
لا شيء. الدولة لا شيء بمعنى الكلمة. هي لا تملك وجوداً حقيقياً ملموساً، لكن وجودها- إذا وجدت أصلاً- يكون مرهوناً بوجود أشياء أخرى تتمتع بهذا الوجود الحقيقي الملموس. للتوضيح أكثر، أنا، المدعو عبد المجيد، شيء حقيقي له وجود، لأنك تستطيع العثور على مكاني والنظر إليّ بعينيك والإشارة إليّ بيدك وتقول: "هذا هو عبد المجيد الذي أقصده". لكنك حتماً تخطئ حين تُساوي بين هذا الشيء الحقيقي الموجود فعلاً، أنا كشخص طبيعي، وبين اللفظة اللغوية "عبد المجيد"، التي ليست أكثر من ضجيج صوتي جرت العادة اللغوية على ربطه بشيء ما حقيقي صادف في هذا المثال أن يكون أنا أو شخص آخر يحمل الاسم نفسه، بحيث كلما ذُكرت هذه اللفظة خطر ببالك الشيء الذي تشير إليه. وقس على ذلك الحال كافة الأشياء الموجودة في الكون الطبيعي واتفقنا على تخصيص أسماء محددة لها، من حيوان ونبات وجماد؛ لكن هذه الأشياء كانت وستبقى موجودة كما هي على حالتها الطبيعية دون زيادة أو نقصان من قبل ومن دون المسميات التي نُطلقها عليها بحسب العرف اللغوي. الدولة غير ذلك كله، لأنها من جنس آخر ليس له على الاطلاق أي وجود حقيقي ملموس داخل الكون الطبيعي كما نعرفه حتى تهتدي إلى مكانه وتنظر إليه بعينيك وتشير إليه بإصبعك وتقول: "هذا هو الدولة التي أقصد".
كيف تقول هذا يا رجل؟! هل جُننت؟! وهل يوجد شيء أكبر وأثقل على حياتنا من وجود الدولة، الدولة التي تَحسب علينا كلماتنا ودراهمنا وأعينها علينا في كل مكان؟! ألم تسمع عن جهاز أمن الدولة؟! ألم تدخل سجون ومعتقلات الدولة يوماً؟! وماذا عن الرئاسة والبرلمان والحكومة والعلم والنشيد الوطني والجيش والشرطة والموازنة العامة والتعليم والصحة وحتى رغيف العيش المدعوم الذي نَسُد به جوعنا؟ أليس كل هذا من فعل الدولة؟! كيف، بالله عليك، تقول أن وجودها ليس حقيقياً ولا ملموساً في حياتنا؟!
أنا قلت ليس لها وجود حقيقي ملموس "في الكون" الطبيعي كما نعرفه ولم أقل ليس لها وجود حقيقي ملموس "في حياتنا" كما نعيشها. بالطبع كل ما قلته أنت صحيح، لكنه لا يزال لا يُضفي على الدولة وجوداً حقيقياً وملموساً كالذي تحظى به سائر مفردات الكون من حولنا ونحن من ضمنها. الدولة بمقياس الوجود الكوني عدم، لا شيء، لا وجود طبيعي له على الإطلاق. أغلبنا مؤمن بكون الوجود كله من خلق الله. لكن، هل وجدت أحداً على الإطلاق، مهما بلغ به الإيمان بنظرية الخلق الإلهي للكون، ادعى أبداً أن الدولة كانت إحدى مخلوقات الله؟ في الوقت نفسه، يجب أن تعي أن انعدام الوجود الطبيعي لا يعني البتة انعدام الوجود بشكل آخر أو انعدام الأثر في حياة البشر، لأن الوجود قد يأخذ صوراً أخرى غير طبيعية. الله نفسه لا يملك وجوداً طبيعياً في دنيا البشر، لكن انظر إلى أي حد قد يصل حضوره وتأثيره فيهم!
خذ، مثلاً، جهاز أمن الدولة الذي تخيلته أنت كشخص طبيعي عملاق ومخيف. بالطبع يمكنك أن تذهب إلى حيث يقع مقره الرئيسي وتنظر بعينيك وتشير بإصبعك لهذا المقر وتقول: "هذا هو جهاز أمن الدولة الذي أقصده". لكنك، بذلك، تكون قد وقعت دون أن تدري في خطأ فادح حقاً. إن ما تشير إليه هو في الحقيقة مبنى تم تشييده من مواد خام طبيعية، يشغله ويديره أشخاص طبيعيون، ويستعملون في سبيل ذلك أدوات وآلات ومعدات وأجهزة صنعوها بأيديهم من مواد خام طبيعية. فإذا ما ضغطت عليك أكثر وألحيت في السؤال: أين يوجد ما تُسميه أنت ’جهاز أمن الدولة‘ من كل هؤلاء؟ بالتأكيد ستجد نفسك عاجز عن الرد، لأنه بخلاف هذا المبنى وهؤلاء الأشخاص والأجهزة لا يوجد شيء آخر البتة. لكنك، إذا أمعنت النظر قليلاً، قد تجد الجواب سهلاً.
ماذا لو أحضرت لك الآن خريطة للعالم، وأشرت لك بإصبعي إلى حيث تقع مصر بحدودها الواضحة والمعلومة والمعترف بها دولياً؟ أليست هذه هي مصر، ولو بصورة رمزية مصغرة بالنظر إلى ضخامة جسمها الفعلي بحيث يستحيل على الإنسان الطبيعي الوقوف أمامها في الواقع والإشارة إليها بإصبعه كما تريد لكي يخبرك: "هذه هي مصر التي أقصد"؟
لا، للأسف، هذا الذي تشير إليه هو مجرد رسم على قطعة من الورق، لا أكثر. ومن ناحية الرمز، هو بالفعل يرمز إلى أشياء كثيرة وليس إلى تلك الهوية الجامعة الواحدة التي تسميها "مصر". هو يشير إلى قطعة صغيرة من كوكب الأرض بالتحديد بكل ما فوقها وما في باطنها من كائنات وموجودات ومقدرات، التي هي في الحقيقة كثيرة ومتنوعة بلا حصر أو نهاية. الشيء المؤكد هو عدم وجود شيء على الإطلاق من بين كل هذه الأشياء الطبيعية يمكن إفراده تحديداً والقول "هذا هو مصر". لا، لم ولا ولن يوجد مثل هذا الشيء أبداً مهما تعبت نفسك في البحث والتحري. ذلك لأن مصر، مثل الله وأشياء أخرى كثيرة من نفس الجنس، تعبر عن موجودات ذات وجود حقيقي فعلاً، لكن في عقل الإنسان فقط وليس في الطبيعة. لذلك، مهما فتشت عنها بداخل هذه الأخيرة لن تجدها هناك، لأن وجودها الحقيقي والفعلي هو في دماغ الإنسان حصراً. هكذا نحن نغادر الآن عالم الطبيعة متجهين إلى عالم آخر مختلف جوهرياً- عالم الاعتقاد. وهذه قصة أخرى.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |