|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
ليث الجادر
2025 / 7 / 8
في زاوية الطريق، يقف طفل صغير يحمل أقداح الحليب ويوزعها على الزوار والمارة، وهو يردد بلهجة حزينة وقوية:
«اشرب حليب يا زاير بثواب عبد الله الرضيع».
وفي مكان آخر، طفل يشبهه يقف عند باب بيته، وقد وضع أمامه قناني ماء بارد يمدّها لكل عابر ويتمتم بكلمة واحدة: «ثواب… ثواب…»، لكن حينما يتناول أحدهم قارورة ماء، يسرع الطفل بسؤال محمّل باللوم:
«كيف تشرب الماء وسيدي الحسين مات عطشانًا؟»
البنية النفسية لفعل الطفل
من منظور نفسي، الطفل هنا لا يقوم فقط بعمل خيري أو طقسي، بل يُدمَج منذ نعومة أظفاره في تجربة ذنب غير شخصي. فهو يتعلّم أن عطائه يجب أن يكون مقرونًا بتذكير الآخر بذاكرة ألم الماضي، وبذنب مستعاد. هذا يُزرع في داخله وظيفة نفسية مزدوجة: أن يكون كريمًا وفي الوقت نفسه "حارس ضمير" يُذكّر الآخرين بتقصيرهم، وهذا ليس سلوكًا واعيًا بل يتكرس تدريجيًا كجزء من هويته النفسية.
أثر الطقس على الطفل والمتلقي
هذا الدور يُشكّل صورة أخلاقية مشوّشة لدى الطفل، يجعل العطاء فعلًا غير نقي لأنه محمّل بلوم مستتر، وقد ينمو لديه شعور ضمني بالاستعلاء الأخلاقي: "أنا أذكرك بما نسيتَه". في المقابل، المتلقي يتعرّض إلى إيحاء بالذنب من شخص بريء، وهو طفل، ما يجعل تأثير الرسالة أعمق. شرب الماء أو الحليب يصبح هنا فعلًا مشروطًا بتحميل الذكرى شعورًا بفقد مستمر.
الامتناع كسيناريو مضاد وطقس
يتخيّل النص مشهدًا مختلفًا: ماذا لو امتنع الناس عن الشرب احترامًا لذاك العطش المقدس؟ هنا يتحول الذنب إلى مقاومة صامتة، ويصبح العطش ذاكرة جسدية متواصلة. عند توسع هذا الامتناع ليصبح طقسًا منظّمًا، تتحول أقداح الماء وأكواب الحليب إلى أشياء موجودة للرؤية فقط، غير مسموح بالمساس بها. الأطفال يصبحون حُراسًا لهذا الامتناع، والجموع تتحول إلى مشاركين صامتين في شعيرة عطش لا ينطفئ. في هذا الطقس، لا يُروى الظمأ، بل يُكرس باستمرار كهوية جماعية دائمة.
التأثير النفسي والاجتماعي طويل المدى
تكرار هذه البنية جيلاً بعد جيل يولد ظاهرة نفسية واجتماعية معقدة:
- نزعة للوم متبادل داخل المجتمع.
- تعلّق مزمن بالمظلومية كجزء أساسي من الهوية الجماعية.
- حساسية مفرطة تجاه محاولات فكّ علاقة الذنب التاريخي بالحاجات الحاضرة.
هذه الظاهرة تمثل نوعًا من التنشئة النفسية المبنية على الذنب، حيث تتحول أبسط الأفعال – مثل شرب الماء – إلى بوابة تستدعي لومًا مستمرًا، ما يولد قلقًا وجوديًا طويل الأمد ويؤثر على الصحة النفسية للأطفال والبالغين على حد سواء.
الخلاصة
الطقوس الرمزية التي تتضمن توزيع الماء والحليب ليست مجرد ممارسات دينية أو اجتماعية عابرة، بل هي أداة نفسية معقدة لتكريس ذاكرة ألم تاريخية عبر أجيال. الطفل الذي يسقيك تأنيبًا يحمل دورًا مزدوجًا هو العطاء واللوم، والمتلقي يعيش بين حاجته إلى الماء ووزر الذنب. وعندما يتحول الامتناع عن الشرب إلى طقس، تُخلق دائرة مغلقة من الذنب والعطش لا يجد لها المجتمع مهربًا، ما يعمّق شعور المظلومية ويثبّتها كجزء من الهوية الجمعية.
هذه الظاهرة تستحق دراسة نفسية واجتماعية معمقة لفهم آثارها على الأفراد والمجتمعات، وكيف يمكن تفكيكها لتحقيق توازن صحي بين الحفاظ على الذاكرة والعيش بحرية نفسية
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |