العودة من الموت: يومٌ اختطف فيه الزمن – شهادتي عن عام 2006

جواد الديوان
2025 / 7 / 4

قد تمرّ السنين، لكن الذاكرة لا تُشفى، ولا الكوابيس تنقضي. في عام 2006، حين بلغت الطائفية في العراق ذروتها، لم أكن إلا رقمًا جديدًا في مسلسل الخطف الذي مسخ وجه الوطن. خُطفت، وعشت ساعاتٍ لا تُنسى، بين السلاح والسؤال، بين العقيدة وسوط الجهل.
كثيرون قالوا لي حينها: "اكتمها..". كأن الألم إذا كُتم زال، أو كأن البوح خيانة. صمتُّ، لسنواتٍ طويلة، حتى جاء يومٌ تذكرت فيه المتنبي:
وضاقت الأرض حتى كان هاربهمُ... إذا رأى غير شيءٍ ظنه رجلا
فقد تركتَ الأُلى لاقيتَهم جَزَراً... وقد قتلتَ الأُلى لم تلقَهم وَجَلا
فشعرت أن صوتي الذي كتمته طويلاً، قد آن له أن يُروى.
فخّ في وضح النهار
في أحد أيام عام 2006، كنت أمرُّ بمنطقة ازدحام. فتشَ مراهقون سيارتي بدقة غريبة: الصندوق، المحرك، المقاعد. سمحوا لي بالمرور ثم ما لبثوا أن أعادوا التفتيش. قادني مراهقان إلى من اعتبروهم "القيادات".
أُنزلنا بالقوة أمام أنظار الناس، وأمام نقطة تفتيش فيها أفراد من الحرس الوطني والشرطة، يستقلون سيارة لاندكروزر حديثة. لم يتدخل أحد. نُقلنا إلى منطقة نائية حركة الناس فيها قليلة، وشاعت معلومات العثور على جثث مجهولة الهوية، معصوبة الأعين، مكبّلة، عليها آثار التعذيب.
وُضعت عصابة على عيني، ويدي خلف ظهري. حينها داهمتني ذكريات قمع البعث حين اعتُقلت في 1978 ولأسباب معروفة للعراقيين. أدخلوني من باب ضيّق، وسمعت أصوات نساء يتحدثن عن خضار وأسعار، وأطفال يلعبون. مشهد عادي جدًا بالنسبة لسكان ذلك المكان، وكأنهم تعودوا على أن يؤوي بيتهم خطفًا وتعذيبًا. كان ذلك مصدر رزقهم.
________________________________________
تحقيق يشبه محكمة ظلامية
بدأ الاستجواب، وتحوّل سريعًا إلى امتحان عقائدي. سألني شيخهم عن طائفتي، ثم تحداني أن أذكر أسماء الأئمة الاثني عشر بالتسلسل. فعلت. أما زميلي، فعجز، فتهموه أنه "سني".
ثم انتقل الشيخ إلى أصول الدين وأركانه، إلى آيات الحفظ، إلى الفقه، وكأنّ الامتحان مفتوح والمصير يتحدد بدرجة الإجابة.
نسوا —كما ينسى من يتخذ الدين وسيلة عنف لا هدى— أن حفظ القرآن لم يمنع جيش يزيد من قتل الحسين (ع). ولا من منع القرامطة من ذبح الحجاج في بيت الله، ولا الخوارج من استباحة الدماء. الحفظ وحده لا يعني الفضيلة، بل كم من حافظ رفع سكينًا على الأبرياء، وكبّر باسم الله. عرضوا علينا فيديو لذبح رجل، بحماسة بشعة. ومن الحفظة من ترحّم على الزرقاوي، وزغردوا لمرور "قنبلة بشرية" نحو الجنة.
درس في الفقه بأخمص البندقية
اعترضت على تجنيد المراهقين. قالوا إنّ التكليف الشرعي يبدأ في الخامسة عشرة. ناقشتهم: تلك سنّ المراهقة، والانفعالات، وعدم السيطرة. قال لي أحدهم: "هم بهذا العمر واجهوا الأمريكان، ونفذوا أحكام الإعدام"، ثم نزلت ضربة بكعب البندقية على ظهري، وتكررت اثناء تحقيقهم عندما لا تعجبهم اجاباتي.
أضفت: "وهل من المقبول تزويج الفتيات في هذا العمر؟" أجابوا بأن ذلك جائز شرعًا، وعليّ أن أتعلم الفقه، ولو بالقوة. فكان درسي اليومي في العقيدة مشفوعًا بألم جسدي.
________________________________________
بين الحياة والموت
تُركنا لفترة "للمداولة" كما يسمونها. ثم عاد الشيخ ليبلغ زميلي بالحكم: الإعدام. وأنه سيكون جثة مجهولة تُرمى في النفايات.
أما أنا، فقد قال الشيخ " لن نتركك جثة مجهولة"، ثم وضع في جيبي بطاقة تعريف بلاستيكية، وعليها اسمي وبياناتي. في لحظة، أصبحت بطاقة... هي الفارق بين أن أُدفن في مقبرة، أو أن أُلقى في القمامة.
ما بعد الحكاية
ما زالت آثار ذلك اليوم تسكنني: في الأحلام، وفي الخوف الدائم، وفي القلق حين يرن الهاتف بعد منتصف الليل. الكتم لم يُشفني. أما البوح، فربما يكون البداية. بداية لفهم أعمق لما مررنا به، وتوثيق يُثبت أن الجرحى لم يصمتوا إلى الأبد.

في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر