الرأسمالية بين الراديكالية ودوغمائية البنات - الزخرف

طلعت خيري
2025 / 7 / 2

حوار عميق وموسع خاضه التنزيل مع الفكر التراثي المكي الرأسمالي ، مركزا على المصادر التاريخية التي انبثق منها اعتقاد الملائكة بنات الرحمن ، والذي يرجع تاريخه الى إبراهيم وأبيه وقومه وبناء البيت ، قلنا اسم الرحمن اسم رمزي يشير الى جزئية الله في بناته ، وعليهن بنا المجتمع المكي حياته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والسلطوية والثقافية وبقية الأنشطة الأخرى ، وفي مقال سابق ذكرنا أيضا ان التنزيل صحح الأفكار السلبية منها جزئية الله في عباده ، وازدواجية المعاير الاصطفائية ، وأشاءة الرحمن في عبادة البنات ، ليعطي لنا صورة حقيقية عن ماهية الرحمن ، وفي خطوة استباقية وبتوجه ودعم مالي من الرأسمالية المكية تم تفعيل القرين ، والقرين هو فرد راديكالي دوغمائي تبنا مهمة التأثير السياسي على المجتمع المكي ، لصد الأفراد والجماعات عن الإيمان بالله واليوم الأخر، كخطوة احترازية ضامنة لديموغرافيا التراث المكي ، ليبقى المجتمع بعيدا عن ذكر الرحمن ، قال الله ومن يعيش عن ذكر الرحمن ، نقيض له شيطان فهو له قرين

وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ{36}

ما لا يقبل الشك ان الدعوة القرآنية أحدثت شرخا فكريا وعقائديا في القاعدة الجماهيرية المكية ، اقسمها الى نصفين ، الأول مؤمن ببنات الرحمن ، والثاني مؤمن بذكر الرحمن ، ولكي يحافظ التحالف المكي الرأسمالي على ديموغرافيا المصالح السياسية والاقتصادية ، سخر قرناء راديكاليين دوغمائيين لإحياء ايدولوجيا دين الآباء ، في دراماتيكية ثقافية جديدة ستضم طوائف دينية سياسية كاليهود والنصارى ، ليبقى المجتمع المكي بعيدا عن ذكر الرحمن ، قال الله ليصدونهم عن السبيل ، راديكاليين دوغمائيين ، ويحسبون أنهم مهتدون

وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ{37}

ناورت الزعامة المكية الرأسمالية فكريا وثقافيا ، لفرض وجودها الديموغرافي أمام سيل من الأفكار العقائدية ، وان فقدان أي فرد فاعل ذو مكانة سياسية أو سلطوية أو رأسمالية أو قبلية ، ربما يؤدي الى تفكك التحالف برمته ، وهذا لا يقتصر على الزعماء فقط بل وحتى على الأفراد بشكل عام ، ومن هذه المعطيات الواقعية انطلق العمل الميداني للقرين الراديكالي لإحياء ايدولوجيا دين الآباء الملائكة بنات الرحمن في عمل أدراماتيكي جديد ، اطلع التنزيل القرين والأفراد الذين انصاعوا له ، على المصير الأخروي ، قال الله حتى إذا جاءنا ، الفرد المنصاع للقرين ، قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين ، ولن ينفعكم اليوم اذ ظلمتم ، أنكم في العذاب مشتركون

حَتَّى إِذَا جَاءنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ{38} وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ{39}

تخلت الطبقة الفقيرة والكادحة وبعض شرائح المجتمع عن الدعم السياسي للتحالف المكي الرأسمالي ، بعد انكشاف للجميع ، بان النذور والقربان والهدايا والأموال التي ينفقونها على الأوثان تذهب الى الطبقة الرأسمالية والزعامة المكية ، ومن خلال المقارنة الميدانية للفارق الطبقي لاحظ الجمهور المكي ان التحالف الرأسمالي ازداد ثراء ودعة وتترفا على حساب دخلهم ومعيشتهم ، وبهذا التوجيه العقائدي تخلص الكثير من أفراد المجتمع المكي من دوغمائية بنات الرحمن ، أما الطبقة الرأسمالية المتقوقعة حول كريبكائية رأس المال والمصالح السياسية ، بقيت تناور استكبارا وتعنتا من اجل مصالحها الدنيوية ، أنهى التنزيل الحوار مع الرأسمالية المكية ، بهذا الوصف الدوغمائي التراثي ، قال الله افانت تسمع الصم ، أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين

أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ{40}

عرض التنزيل على التحالف المكي الرأسمالي أمثالة تاريخية مخزية لأمم سبقت كفروا بالله ورسله ، استنبط منها محمد بان الزعامة المكية سيتعرض لانهيار اقتصادي ينهي وجوده الديموغرافي ، ولكن متى وأين لا احد يعلم ، أعطت الأمثلة التاريخية لمحمد انطبعا جعلته يستمر بالدعوة حتى يحكم الله في هذا الأمر، فكان متحمسا لنهاية الرأسمالية المكية ومتمنيا ذلك قبل موته ، قال الله فإما نذهبن بك أي ننهي حياتك بالموت ، فانا منهم منتقمون ، أو نرينك الذي وعدناهم فانا عليهم مقتدرون ، تخلى محمد عن أمنيته متمسكا بالوصايا العقائدية الجديدة ، قال الله لمحمد ، فاستمسك بالذي أوحينا إليك انك على صراط مستقيم ، وانه لذكر لك ولقومك وسوف تسالون ، شاهد على المسائلة الاخروية

فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ{41} أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ{42} فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ{43} وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ{44}

قلنا في مقالة سابقة ، زعم الفكر المكي التراثي ان إبراهيم وأبيه وقومه كانوا يعبدون الملائكة بنات الرحمن ، ولما توجه الى مكة لبناء البيت أقام لهن تماثيل وأصناما اعتزازا بتراث آباءه وأجداده ، ونحن أيضا نعتز بهن لأنهن امتداد لتاريخنا وتراثنا الديني ، كشف الله زيف مزاعمهم ، ناقلا ما قاله إبراهيم لأبية وقومه من الماضي الغيبي الى حاضر الدعوة القرآنية ، قال الله وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون ، مستثنيا الله ، إلا الذي فطرني فانه سيهدين ، وفي خطوة استباقية باشر التحالف المكي الرأسمالي بالمنارة الفكرية مع جماهير حلفائه من أهل الكتاب اليهود والنصارى لضمان وحدوية الكتلة ، منحدرا الى عمق التاريخ لضم موسى وعيسى لاعتقاد الملائكة بنات الرحمن ، نستنتج من هذا ان المصالح السياسية والاقتصادية هي من ترسم شكل التحالفات ، قال الله لمحمد ، وأسال من أرسلنا من قبلك من رسلنا اجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون ، كيف سيسأل محمد رسل ماتوا من قبل ، هذا يعني ان التنزيل استعد للمناورة الفكرية التاريخية التي سيطرحها التحالف المكي الرأسمالي على أهل الكتاب بخصوص ضم موسى وعيسى لعبادة الملائكة بنات الرحمن ، هذا ما سنطلع عليه في الموضع التالي

وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ{45}

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي