المدلول الاستراتيجي لسقوط النظام الإيراني

صلاح بدرالدين
2025 / 6 / 22

منذ الثورة الإيرانية ضد نظام الشاه عام ١٩٧٩ وتسلط رجال الدين العقائديين المذهبيين المتشددين ، الذين تبنوا استراتيجية مبنية على مبدأ تصدير ( ثورتهم ) المذهبية الى كل بقعة ممكنة وخصوصا في الدول التي يتواجد فيها مواطنون من المذهب الشيعي مثل لبنان ، والعراق ، واليمن ومعظم دول الخليج ، بالإضافة الى سوريا في ظل نظام الأسد البائد ذو اللون الطائفي الأقرب الى عقيدة الحاكمين بطهران ، نقول ومنذ عقود أربعة بدا المجتمع الدولي ، وشعوب الشرق الأوسط بمختلف الاطياف ، والتوجهات يتوجس الحذر الشديد تجاه نهج ( الجمهورية الإسلامية الإيرانية ) ونزعتها التوسعية العدوانية ، وخططها لاثارة الفتنة المذهبية ، واستثمار الاخرين من الموالين لها وقودا من اجل توسيع نفوذها ، خصوصا بعد استخدام مواردها المالية الهائلة لتوريد السلاح ، وصرف معظم ميزانيتها على تدريب وتسليح ، وتمويل ميليشيات من وراء الحدود عبر أجهزة الحرس الثوري – الميليشياوي - الذي فاق الجيش الإيراني عددا وعدة .
وفي ظل غياب أي دور للنظام العربي الرسمي لمواجهة الخطر الإيراني الداهم عليه أولا قبل البعيدين جغرافيا ، تصدى المجتمع الدولي للمعضلة بالطرق الدبلوماسية من اجل قطع الطريق على هذا النظام لامتلاك السلاح النووي ، وكانت مفاوضات لوزان ٢٠١٥ ، بمشاركة أمريكا ، والصين ، وروسيا ، وفرنسا ، وألمانيا ، وبريطانيا ، من أجل التوصل إلى تسوية شاملة تضمن الطابع السلمي للبرنامج النووي الإيراني، وإلغاء جميع العقوبات على إيران بشكل تام ، وبسبب النوايا المبيتة لنظام طهران ، وعدم التزامه بكل التعهدات ، استمر بمختلف السبل الملتوية من اجل التوصل الى الحصول على القنبلة النووية ، وبناء المخابئ تحت الجبال تحسبا لاي هجوم محتمل كما يحصل الان بشكل اكثر وضوحا أي منذ بدء إسرائيل بشن الهجمات ، واستهداف مواقع تخصيب اليورانيوم ، وقواعد انطلاق الصواريخ الباليستية .
الهجوم الإسرائيلي الجوي الناجح ، واستهدافه ليس المواقع النووية فحسب ، بل الصف الأول من القيادات العسكرية ، والأمنية ، ورموز الحرس الثوري ، والذي يحظى بدعم أمريكا والغرب عموما ، حيث وصفه المستشار الألماني ( المهمة القذرة التي تنفذها إسرائيل نيابة عنا جميعا ويقصد جميع دول الغرب من أمريكا الى دول الاتحاد الأوروبي ) ، هذا الهجوم المتواصل منذ اكثر من أسبوع وقد يطول اكثر ، يتم رسميا وعلنا بهدف القضاء على مشاريع بناء القدرة النووية ، واضيف الى ذلك برامج الصواريخ أيضا ، ولكن الهدف الحقيقي ابعد من ذلك وهو اسقاط النظام الحاكم ، وفي حقيقة الامر وبعد تجريد هذا النظام من اذرعه في غزة ، ولبنان ، والعراق ، واليمن ، وسوريا ، اصبح ايلا للسقوط ، وعندما يفقد ترسانته التحضيرية لصنع النووي سيفقد سبب وجوده اصلا وسيصبح بحكم الساقط عمليا ، وهذا مايعلمه الايرانييون بكل شعوبهم ، وقومياتهم ، ويعلمه الغرب أيضا ، والعالم اجمع .
ليس مستغربا ان تتعاطف جماعات الإسلام السياسي بوجهيها الشيعي والسني وخاصة حركة الاخوان المسلمين مع نظام طهران ، فسقوطه يعني حرمان تلك الجماعات من النظام الوحيد القائم على الكرة الأرضية الذي ينتهج آيديولوجيتها العنفية ، ويعمل على تفكيك النظام الدولتي ديموقراطيا كان ام ليبراليا ، وينشئ دويلات ميليشياوية داخل الدول من اجل اضعافها والحاقها بولاية الفقيه كنوع من الخلافة الدينية لاتختلف كثيرا عن دولة الخلافة الداعشية ، قد يتذرع البعض بفلسطين ، وعداوة إسرائيل ، وهو مجرد هراء ، فالوقوف الى جانب الحقوق الفلسطينية المشروعة لايستوجب ادانة من يقوم بمواجهة شرور النظام الإيراني الدكتاتوري الطائفي حتى لو كانت إسرائيل ، فهي وجهت ضربات ماحقة سابقا الى ميليشيات لم تكن يوما مع الشعب الفلسطيني ، وكنا قد اشرنا بمناسبات متتالية ان إسرائيل تخدم وجودها بالدرجة الأولى ولكن في الكثير من الأحيان تتقاطع المصالح وتكون النتائج لمصلحة شعوب المنطقة مثل اضعاف وتصفية ميليشات حزب الله ، والحوثي ، ونظام الأسد ، وحركة حماس .
يتردد الكثير بشان – نظام شرق اوسطي جديد – ولو ان هيكليته ، ومضمونه ، غير واضحة المعالم حتى الان ، ولكن وبكل بساطة سيكون الجديد هو منطقة من دون نظام الأسد الدكتاتوري ، وبلا ميليشيات طائفية مذهبية مسلحة إرهابية ، وبلا سلطات امر واقع فالتة من عقالها ، وبلا نظام إيراني يصدر الفتن ، والحروب ، وبلا وكلاء حروب الاخرين ، وفي مثل هذه الأجواء تتضاعف الفرص من اجل تحقيق السلام والاستقرار ، واللجوء الى الحوار لحل القضايا العالقة ، والى جانب كل ذلك سيحصل التغيير في دول أخرى قد تكون أنظمتها شبيهة بنظام طهران ، وعلى العموم فان حصول هذه التطورات ستنعكس إيجابا على بلادنا ، وستكون داعما لحل القضية الكردية عبر الحوار السلمي في اكثر من بلد .
وأخيرا وبحسب المؤشرات ، والمعطيات ، وفي نهاية المطاف لا استبعد ظهور أنظمة جديدة بالشرق الأوسط ( الجديد ) بما فيها ايران قوامها الاعتدال ، وحل المشاكل عبر الحوار ، ومنطلقها التنمية الاقتصادية ، والابتعاد عن العسكرة ، قد يتصدرها الجيل الشاب كما حصل في السعودية على سبيل المثال ، وهذا سيتوافق مع مصالح المجتمع الدولي ، ولست استبعد دورا مرتقبا في هذا المجال لرجل الاعمال الملياردير – مجتنبي خامنيئي – في ايران المستقبل .

في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر