نجيب سرور.. شاعر الثورة والمأساة

رحيم الحلي
2025 / 6 / 20

في قلب الريف المصري، وسط القرى المعدمة التي ترزح تحت نير الإقطاع والحرمان، ولد الشاعر نجيب سرور عام 1932 في محافظة الدقهلية. ومن رحم هذا الواقع المؤلم، خرج صوت صاخب، ثائر، لا يعرف المهادنة ولا يقبل المساومة، صوت يحمل وجع الناس وآلامهم، ويجسد تمردهم ضد الظلم الاجتماعي والاستغلال الطبقي. ذلك الصوت هو نجيب سرور، الذي لم يكن شاعراً فحسب، بل كان مشروعاً إنسانياً شاملاً، جمع بين الشعر والمسرح والنقد الثوري.
من الفقر إلى الوعي
عاش نجيب سرور طفولة فقيرة، لكن وعيه كان مبكراً، مثل خيوط الفجر الأولى.. كانت قريته مرآة حقيقية للمأساة المصرية: الجوع، القهر، والإقطاع المتغطرس. لم يكن غريباً أن يكتشف في الفكر اليساري – ولا سيما الماركسي – طريقاً للانعتاق. ترك كلية الحقوق بعد عامين، ووجد ضالته في معهد الفنون المسرحية، حيث تخرج عام 1956، وبدأ رحلته الفنية والإنسانية الصعبة.
شاعر بحجم الوطن
عرف الجمهور نجيب سرور من خلال دواوينه الصادمة، مثل "حكماء ريش"، الذي يمثل صرخة مدوية في وجه الظلم، ومرآة ناصعة تعكس مأساة الريف والفلاحين المصريين. لم يكن يكتب شعراً للتسلية أو المجد الشخصي، بل كان يعيش الحرف بكل معناه، كما قال عنه الملحن العراقي كمال السيد وهو يدربني مع الفرقة الموسيقية في دمشق عام 1981على أداء نشيدٍ ثوري من أشعاره:
"المفروض الواحد منكو يعيش الحرف ياشعرا، مفروض يتوضا بدمو ،ويعيش الحرف ويقرا ، لوجوه الناس الفقرا ، لوجوه الناس الصفرا ياشعرا".
لم أكن أعلم يوماً أنني سأواجه نفس القدر ونفس المصائب والأحزان والخيبات، حيث الغربة التي تعتبر المنجى الوحيد من التشرد في شوارع الوطن، كما عاش الشاعر نجيب سرور. ففي المصائب، وعندما تصبح الأثقال كالجبال، يتخلى وينهزم الكثيرون، ويبقى الفارس وحده أمام مصيره. لكن العزاء أنني زرت قبرك في قريتك اخطاب، بفضل خيرة الاصحاب من الشعراء الأوفياء، وهم أقل من القليل في كل زمان.
شعر نجيب سرور لم يكن أدباً فقط، بل موقفاً. كان يرى الشعراء الحقيقيين هم الذين ينحازون للمظلومين، لا أولئك الذين يبيعون أقلامهم للسلطة أو يعيشون في أبراج عالية.
المنفى والغربة والخذلان
أكمل نجيب سرور دراسته العليا في الإخراج المسرحي بالاتحاد السوفيتي، وعاش سنوات في المجر. لكن اغترابه لم يكن فقط في المكان، بل في الروح أيضاً. رأى بأم عينه كيف تحولت الأحزاب الشيوعية في أوروبا الشرقية إلى أدوات قمع وفساد، وهو الذي حلم بالمجتمع الفاضل، فانهار داخلياً بين التناقضات.
وعندما عاد إلى مصر، اصطدم بالواقع المر: التهميش، المطاردة الأمنية، والتضييق عليه في العمل، حتى فصل من التدريس، وهمش في الإعلام والمسرح. أصر على أن يبقى مخلصاً لقيمه الثورية، رغم الجوع والتشرد والخذلان، حتى اتهموه بالجنون، وهو الذي قال:
"الجنون هو أن ترفض أن تسير في قافلة اللصوص."
الجنون الذي هو قمة الوعي
لم يكن نجيب سرور مجنوناً، بل كان أكثر عقلانية ممن حوله. الجنون، في مجتمع فاسد، هو أن تصرخ بالحق. هكذا هام في شوارع القاهرة، حاملاً طفله شهدي، الذي سماه تيمناً بالشهيد الشيوعي شهدي عطية، وكأن في التسمية وصية بمواصلة الطريق.
في قصيدته التي كتبها في المنفى، نقرأ صوتاً نبياً حزيناً، يحاور ذاته، يحلم بالعودة، ثم يسخر من الواقع المليء بالخداع:
*"لو عدتَ.. من ذا يعرفك؟
سأقول جئت أنا المسيح
سيطالبونك بالدليل...
ستكون في جيبي البطاقة والجواز
يا بئس الدليل!"
إرث فني هائل
رغم محاصرته، ترك نجيب سرور إرثاً مسرحياً وأدبياً غنياً. كتب وأخرج العديد من المسرحيات المهمة، مثل:
ياسين وبهية (إخراج كرم مطاوع)
آه يا ليل يا قمر (جلال الشرقاوي)
قولوا لعين الشمس
يا بهية وخبريني
ميرامار (مأخوذة عن رواية نجيب محفوظ)
الكلمات المتقاطعة (تحولت لمسلسل تلفزيوني)
كما كتب دراسات مهمة، مثل:
رحلة في ثلاثية نجيب محفوظ
عن الإنسان الطيب
رسائل إلى صلاح عبد الصبور
وقد بقيت العديد من هذه الأعمال طي الكتمان، ونُشرت بعد وفاته بأعوام طويلة.
رحيل مبكر وصمت مؤلم
في عام 1978، توفي نجيب سرور عن عمر 46 عاماً، فقيراً، جائعاً، مشرداً، محاصراً. لكن بقيت كلماته حيّة، تُلهب القلوب وتوقظ الضمائر. لم يكن بطلاً شعبياً بالمعنى الإعلامي، بل كان فارساً حقيقياً، مات متمرداً، كما عاش.
كلمة أخيرة
نجيب سرور لم يكن مجرد شاعر أو كاتب مسرحي. كان روحاً حرة تمردت على كل أشكال القهر والفساد. عاش ومات وهو يصرخ في وجه العالم:
"حتى أنا لص... ألم أُخدع طويلاً باللصوص؟"
سلامٌ لروحه، وسلامٌ لمن ظل يحمل ذكراه، ويحدث الناس عن معاناته. وسلامٌ لكل من لا يزال يؤمن أن الكلمة الصادقة أقوى من الطغيان، وأن الشعر قد يُهزم لحظة، لكنه لا يموت أبداً.
قد آن يا كِيخوتُ لِلْقَلْبِ الْجَرِيحِ
أنْ يَسْتَريحَ،
فَاحْفُرْ هُنا قَبْراً وَنَمْ
وَانْقُشْ عَلَى الصَّخْرِ الأَصَمِّ:
"يَا نَابِشاً قَبْرِي حَنَانَكَ، هَاهُنا قَلْبٌ يَنامُ،
لَا فَرْقَ مِنْ عَامٍ يَنَامُ وَأَلْفِ عَامٍ،
هَذِى الْعِظَامُ حَصَادُ أَيَّامِي فَرْفَقاً بِالْعِظَامِ.
أَنَا لَسْتُ أَحْسِبُ بَيْنَ فُرْسَانِ الزَّمَانِ
إِنْ عَدَّ فُرْسَانُ الزَّمَانِ،
لَكِنْ قَلْبِي كَانَ دَوْمًا قَلْبَ فَارسٍ،
كَرِهَ الْمُنَافِقَ وَالْجُبَانَ،
مُقَدَّرُ مَا عَشِقَ الْحَقِيقَةَ.
هُوَ لَمْ يَمُتْ بَطْلًا وَلَكن مَاتَ كَالْفُرْسَانِ بَحْثاً عَنْ بُطُولَةٍ...
لَمْ يَلْقَ فِي طُولِ الطَّرِيقِ سِوى اللُّصُوصِ،
حَتَّى الَّذِينَ يَنْدَدُونَ كَمَا الْضَمَائِرِ بِاللُّصُوصِ...
فُرْسَانُ هَذَا الْعَصْرِ هُمْ بَعْضُ اللُّصُوصِ!

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي